فهرس الكتاب

الصفحة 16375 من 27364

أما اليوم فلم يعد الأمر أمر كتاب أو شريط أو فيلم ، وإنما أضحى طوفاناً من الفساد المبثوث عبر القنوات الفضائية والشبكات الحاسوبية ، أصبحت معه مهمة الدعاة بالغة الصعوبة في توسيع دائرة المنتمين للدعوة من الأجيال الجديدة ، بل إن الخطر لم يعد يحاصر الأطفال والفتيان والفتيات ، بل غدا يطارد الكبار أيضاً ، فأصبحنا بين خطرين: خطر العسر في المحافظة على مكتسبات عقود ماضية من شريحة الملتزمين بالدين بتآكل أطرافها ، وخطر المخاوف من تقلص الفرص في جلب شرائح جديدة إلى صفوف الملتزمين الجادين بسبب صعوبة التمسك بالدين في ظل انفجار تيار الفجور .

بمعنى آخر: نحن نسير بسرعة متهورة نحو ظاهرة ( خفة الدين ) ، ولا بد للدعاة أن يعكفوا على إيجاد حلول لتلك النازلة ؛ لأن المراحل القادمة في مصير الأمة لا يصلح للتعامل معها خفاف الدين ، صغاراً أو كباراً .

سابعاً: التحول من الهموم العامة إلى الهموم الخاصة ؛ فعلى مستوى المسلمين عموماً تكرست العزلة بين ما يسمى بـ ( العالم الإسلامي ) وبين ما يسمى بـ ( العالم العربي ) بفعل القوميات ، ثم تجذرت العزلة بين أجزاء كل عالم منهما بعد ذلك بفعل الوطنيات ؛ فالهَمُّ المحلي الآن هو منتهى اهتمام الجميع ، حتى إن بعضهم أضحى يقول: أنا ومن بعدي الطوفان ! ومن إفرازات هذه الظاهرة على الأرض ما يحدث الآن في فلسطين ؛ حيث جُردت قضيتها بشكل شبه نهائي من بُعدها العربي ، بعد فصلها عن بُعدها الإسلامي ، وأصبحت ( قضية العرب والمسلمين الأولى ) مجرد همٍّ فلسطيني ، وقس على ذلك الهم السوداني والأفغاني والشيشاني ، والبلقاني ؛ فالكل مشغول عن الكل بنفسه أثرة وشحاً ، أو عجزاً وضعفاً .

وأخشى ما نخشاه أن تنتقل هذه العدوى إلى العمل الإسلامي ، فتصبح كل ساحة منكبة على نفسها ، منغلقة على ذاتها ، تاركة هموم غيرها وراء ظهورها ، وبخاصة عندما يكون لحمل تلك الهموم ضريبة لا يريد الكثيرون دفعها .

? ضعفنا وقوتهم:

قد يكون المسلمون اليوم بالفعل أضعف من اللازم وهم مقبلون على منازلة ما ذكر من نوازل حاضرة ومستقبلة ، إلا أن ما عند الله تعالى من نواميس السنن ، كثيراً ما يجري بخلاف ما يظن البشر من عادات ومجريات الزمن ؛ فالضعيف قد يقوى بعوامل لم تكن مقدورة للبشر ولا منظورة ، والقوي قد يضعف بمستجدات مكتوبة وغير محسوبة .

والذي أشعر به أن الله تعالى يُودِع قوة المسلمين اليوم في ضعفهم ، كما يضع ضعف أعدائهم في قوتهم ، كحال وحوش كبيرة ثقيلة كاسرة ، محصورة في ميدان محدود ، تطاردها طيور صغيرة عنيدة في فضاء غير محدود ، فتهزم تلك الضعاف الخفاف بطلاقتها وخفة مؤنتها ، تلكم الوحوش المحشورة في مرابض الأشر والبطر ! طابق - إن شئت - هذه الصورة المتخيلة على ما حدث مع فرسان الصحابة حينما خرجوا من جزيرة العرب خفافاً وثقالاً ، ينازلون الفرس ويناوشون الروم وغيرهم من طواغيت العالم ، فهزوا عروشهم ثم أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ، وطابق الصورة على ما كان قبل الإسلام من غلبة المستضعفين المطاردين من أتباع موسى - عليه السلام - لطاغية ذلك العصر فرعون ، حيث جعل الله ذله على أيديهم ونهايته أمام أعينهم حتى قبل أن يُكتب الجهاد عليهم: [ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ] (القصص: 5-6) .

ثم طابقها على ما كان بعد ذلك من قيادة داود الشاب - عليه السلام - لقومه المستضعفين المطرودين من أرضهم ، حيث جبر الله كسرهم فاقتحموا على الجبارين أبواب حصونهم: [ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] (المائدة: 23) .

فحين مد داود يده وأمسك بقطعة الحجر ، وقذف بمقلاعه نحو الجبار جالوت ؛ كان هذا إيذاناً بتحول موازين القوى ، وتغير الأوضاع لدى قومه ، فتحولوا من شراذم تفر أمام الأعداء إلى جيوش نظامية حقيقية لها وجود .

ولا تظن أخي القارئ أن زمان هزيمة الطغيان على أيدي المستضعفين من أهل الإيمان قد ولَّى ؛ فقد أرانا الله في عصرنا من هذا آيات ، ليس آخرها ما كان من انهزام إمبراطورية الإلحاد السوفييتي السابق ، ثم انهدام بنيانها وتفكك اتحادها ، تحت ضربات المستضعفين من المؤمنين من أنحاء الأرض آنذاك ، الذين جاؤوا في ذلك الوقت لنصرة إخوانهم الأفغان الذين استنصروهم في الدين ؛ فقد ادخر الله تعالى للمستضعفين منهم شرف إسقاط تلك القوة الطاغوتية الإلحادية الكبرى التي كانت تعد القوة العسكرية الأكبر في العالم وقتها ، هذا في حين لم يكن للمجاهدين فيه دولة فتحاصر ، ولا سفارات فتغلق ، ولا جيش نظامي فيدمر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت