فهرس الكتاب
ثانياً: انتهاء عصر الاستقلال بانتهاك مفهوم سيادة الدول بالمعنى القديم المعهود وخاصة الدول الإسلامية ، حيث برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة التدخل المباشر في شؤون الدول الضعيفة ، وتوجيه سيادتها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً ، دون الرجوع في أحيان كثيرة إلى من يفترض أنهم ( المسؤولون ) في هذا البلد أو ذاك ، ولن نضرب المثل بما يحدث الآن في أفغانستان أو العراق ، فذلك أمر قد فُرغ منه ، بل انظر إلى ما يحدث في باكستان و إندونيسيا و السودان ، حيث تُفرض الحلول الأمريكية فرضاً ، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى انتهاك المجال الجوي لبعض الدول من أجل تعقب من تطلق عليهم أمريكا ( الإرهابيين ) ، وما أمر اليمن منا ببعيد عندما دخلت الطائرات الأمريكية لتعقب سيارة مدنية بها أشخاص تشتبه بهم ، ومثلما حدث عندما أغار الأمريكيون في عهد كلينتون على كل من السودان وأفغانستان دون مقدمات بزعم ضرب أهداف معادية .
ثالثاً: التغيير الحاد في مفهوم ( سيادة القانون ) بما فيها القانون الدولي ؛ فمع ما ندين الله به من بطلان كل قانون بشري مخالف لشريعة الإسلام ، دولياً كان أو إقليمياً ، إلا أن تلك القوانين على عجزها عن تحقيق العدالة المطلوبة ، تقيَّد الآن ، لتكون شريعة الغاب أو الغرب هي سيدة الموقف ، بما فيها من تسلط وكبرياء وغطرسة ، لا تفهم إلا القوة ولا تعترف بحقوق الإنسان إلا إذا كان إنساناً غربياً أو بالأحرى نصرانياً أو يهودياً ! فأين سيادة القانون الدولي الآن مما يحدث في فلسطين ، وأين « سيادته » مما يحدث في العراق وأفغانستان والسودان والبلقان وإندونيسيا والشيشان ؟! الأمر مرشح لمزيد من الفوضى القانونية الدولية ، وخاصة أن أمريكا تمضي قُدماً في تطبيق مفهوم ( الحرب الوقائية ) و ( الضربات الاستباقية ) التي ستغير كل ما كان معهوداً من أعراف تتعلق بإعلان الحروب واستعداد الشعوب لدخولها قبل أن تقحم بها .
إننا مقبلون فيما يبدو على عصر ( اللاقانون ) مع عصر ( اللانظام ) ، فإذا كان القانون الدولي يداس الآن بأقدام أمريكية ، فإن القوانين المحلية سيجري الجري فوقها لا مجرد دوسها ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالإسلاميين ، ولذلك فإن الرهان على عودة الاستقرار في الساحات المتوترة ، لا ينبغي أن تفضل فيه الأسباب الخارجية عن الداخلية .
رابعاً: تعاظم دور الجاسوسية في العالم باسم ( المخابرات ) ؛ فالحرب العالمية ضد ما يسمى بـ ( الإرهاب ) يبدو أنها ستحتاج إلى تجييش الجواسيس من مستوى الخفير إلى الوزير ، بل إلى رئيس الدولة ، وما لنا نذهب بعيداً وبوش الأكبر ، الذي كان رئيساً لأكبر دولة ، تولى المنصب الأكبر في قيادة الجاسوسية الأمريكية حيث كان رئيساً لوكالة الاستخبارات الأمريكية ( CIA ) قبل تولي الرئاسة .
وكذلك فإن الدولة التي كانت تمثل القطب الثاني في العالم ( روسيا ) يترأسها الآن رجل الجاسوسية الروسية الضليع ( فلاديمير بوتين ) الذي كان ضابطاً في المخابرات السوفييتية ( KGB ) .
ولهذا لم نستغرب ولن نستغرب أن تكون أشهر المبادرات والتحركات السياسية الخاصة بالشرق الأوسط في الوقت الراهن يديرها قادة في المخابرات ، من أمثال ( جورج تينت ) الذي تولى منصب وكالة المخابرات المركزية منذ عام 1996م والذي وضع منذ فترة فترة ما يعرف بخطة ( تينت ) .
يبدو أننا أيضاً في عالمنا الإسلامي سنشهد بعد حقبة الحكومات العسكرية ، حقبة جديدة من الحكومات المخابراتية ! وهي حقبة سيحتاج فيها الإسلاميون ولا شك لطرق أخرى في التعامل مع الواقع .
خامساً: تقلص دور الحكومات في العالم النامي وأغلبه إسلامي بعد أن كرست أحداث السنوات الأخيرة عجز أغلب تلك الحكومات عن مواجهة التحديات ، وهذا سيضاعف من مسؤولية الشعوب في تحمل أعبائها بنفسها ، والإسلاميون شاؤوا أم أبوا هم طليعة تلك الشعوب ، وهم قادتها الحقيقيون ، ومع ذلك ويا للمفارقة فهم المعنيون قبل غيرهم بالعداوة الصليبية واليهودية الراهنة ، ولا خيار لهم في تحمل مسؤولياتهم المزدوجة في حماية أنفسهم وحماية الأمة .
سادساً: تحول وظيفة إنقاذ الأجيال إلى مهمة عسيرة ، في ظل اختراق الإعلام لخصوصيات الشعوب ، وهذا المعطى ليس خاصاً بالحرب الأمريكية على الإسلام وما تشكله من نظام دولي جديد ، بل هو من عوامل تغير الزمن ، وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ، ولكنه مؤثر على كل حال في أهم وظائف العمل الإسلامي وهو تربية الأجيال ؛ فبالأمس القريب كان الدعاة يتحدثون عن خطر ( الغزو الفكري ) وتأثيره الضار على الأجيال ، مع أن خطر الغزو الفكري وقتها ربما اقتصر على شرائح معينة تتعامل مع وسائل الثقافة والإعلام المخاطِبة للطبقة المتعلمة .