فهرس الكتاب

الصفحة 16400 من 27364

أول ما يلفت نظر القارئ في بحث القاسم والسكران: التشدق اللفظي، والتكلف الواضح في رص الكلمات العصرية اللامعة التي هي كالطبل الفارغ، بصورة تثير الشفقة وتدعو إلى الرثاء لحال كاتبيها؛ حيث حشرا نفسيهما في لباس ليس لهما. وإليك شيئاً من عباراتهما العجيبة التي تشهد لهذا:

- (الشاب المتدين بحاجة إلى رؤية واضحة لمشروعية الاندماج الاجتماعي، سيما المحافظة على مشروعية المجتمع و مؤسساته، ذلك أن اهتزاز الشرعية يوهن دوافع المشاركة والانتماء لديه لتأخذ في الانكماش، وتتزايد النزعة السلبية حتى يصل إلى إيثار الهروب والانسحاب من مسئولياته الاجتماعية بحثاً عن تحقيق التطهر والنقاء عن الامتزاج بفساد الواقع الذي جرى تصويره له، وقد يلجأ الشاب إلى إعلان المواجهة والصدام كتعبير عن الاحتجاج بدلاً من المشاركة الإيجابية الفاعلة) (ص16) .

- (إن أي ناصح للمجتمع الإسلامي يؤرقه التخطيط لمؤسساته، ونظمه، ومستقبله، والتبشير برسالته، لا يمكنه تجاهل أهمية الانفتاح المعرفي في بناء الأرضية المدنية والإطار الحضاري للواقع الإسلامي، خصوصاً في هذا العصر الذي تعقدت نظم الحياة فيه، وترابطت أجزاؤه، وأصبحت نسيجاً واحداً يؤثر بعض في بعض، وأصبح الحراك الاجتماعي يحتاج لأدوات حديثة، ومعايير دقيقة، واستيعاب لنظم الحياة المعقدة، وتنمية تدريبية للمهارات المدنية، لكي يستطيع الشاب المشاركة في المجتمع بصورة إيجابية تضمن تراكم الجهود في اتجاه البناء) (ص21) .

-(الخطاب العلمي هو الخطاب الذي يتوخى العدل الشرعي في التقييم والتفسير، عبر رؤية الواقع واستيعابه كما هو، ومحاولة فرز ألوانه، والميل الشديد للتفصيل في موضعه، وتنظيم المعطيات، وإصدار الأحكام الهادئة، التي تحتفظ بهامش من النسبية، ولا يتورط في مجازفات تمليها عليه الإغراءات الكلامية، مع الاحترام المستمر للبرهان، ومحاولة تفهم دوافع المخالف، والبحث عن اعتباراته سواءً المعلنة أم الضمنية.

أما الخطاب الانفعالي الذي يحتوي على قدر عالٍ من التهويل والمبالغة، والمجازفة بالأحكام العامة، وتأكيدها بمفردات الحسم والقطع، وتجويز [هكذا!] من المغالطات في سبيل التعبئة للفكرة) (ص28) .

قلت: والأمثلة على هذا"الهذر الكلامي"و"الشقاشق اللفظية"ليست قليلة في بحثهما. والسبب في ظني هو إدمان صاحبي البحث قراءة كتب العصريين التي لا تسمن من جوع، والاقتباس منها، رغم أن العقلاء من بني البشر هم الذين لا تسلب لبهم الألفاظ دون أن يتأملوا حقيقة ما تحتها من معاني.

ويحضرني في هذا المقام حكاية لطيفة للشاعر صفي الدين الحلي الذي اطلع أحدهم على ديوانه فقال: لا عيب فيه سوى أنه خالٍ من الألفاظ الغريبة ! فكتب إليه الحلي هذه الأبيات:

إنما الحيزبون والدردبيس

والغطاريس والشقَطحب والصقـ

والحراجيج والعفنقس والعفـ

لغةٌ تنفر المسامع منها

وقبيح أن يُسلك النافر الو

إن خير الألفاظ ما طرب السا

… …والطََّخا والنُقَاح والعلطبيس

ـب والحربصيص والعيظموس

لق والطرفاسان والعسطوس

حين تروى وتشمئز النفوس

حشي منها ويُترك المأنوس

مع منه وطاب فيه الجليس

فبعض الباحثين -ومنهم كاتبا البحث- مولع بالمصطلحات العصرية، والألفاظ المفخمة التي لا ثمرة فيها لمن تدبرها؛ مصداقاً لقوله تعالى (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) ، فهي من قبيل (الزخرف) لا غير.

مغالطات الباحثَيْن (19) :

المغالطة الأولى:

عدم تفريق الباحثَيْن بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية -لله عز وجل-! فعندهما: ما دام أن البشر مختلفون -كوناً وواقعاً- في عقائدهم ومذاهبهم فإنه لا يحق لأحد أن يزيل أو حتى يحاول إزالة هذا الاختلاف بجمعهم على الحق؛ لأن هذه إرادة الله!

يقول الباحثان: (ص13) "نستخلص مما تقدم أن المقرر لم يعرض أصول الاختلاف وقواعد التعامل مع المخالفين وعلى رأسها:"

1-أن الاختلاف سنة كونية: فلا يمكن لأي منظومة فكرية مهما أوتيت من الإمكانيات ووسائل الاتصال وقدرات التغيير أن تقضي على الاختلاف البشري أو توحد اتجاهات الإنسانية أو تحمل الناس على مسار واحد؛ ذلك أن الاختلاف سنة كونية ملازمة للحياة الإنسانية كما قال تعالى (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) ) ، وسيبقى هذا الاختلاف كما قال تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) . وقد رددوا مثل هذا في (ص5 ،15) .

قلت: ووقوعهما في هذه الزلة العظيمة مما يثير العجب والأسى لكونهما من المتخصصين في العلوم الشرعية! ورغم هذا لم يفرقا بين إرادة الله الكونية التي قد لا تستلزم المحبة والرضا، وإرادته الشرعية التي تستلزم ذلك. وهذا مما يعرفه صغار الطلبة في بلادنا -ولله الحمد-. فالإرادة الربانية قسمان (20) :

1.إرادة كونية قدرية: أي أن كل يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يخرج عن إرادته شيء، والكافر والمسلم تحت هذه الإدارة والمشيئة سواء، فجميع ما يصدر منهم -سواء كان إيماناً أم كفراً- فهو واقع -حتما- بهذه المشيئة، وهي لا تستلزم محبة الرب ورضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت