فهرس الكتاب
ومن أدلتها: قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) وقوله (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) وقوله (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) .
2.إرادة دينية شرعية: وهي تتضمن محبة الرب ورضاه. ومن أدلتها: قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله (وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) وقوله (والله يريد أن يتوب عليكم) .
فالكفر والفسوق والمعاصي الواقعة من العباد قد شاءها الله وأرادها (كوناً) لأنه لا يخرج شيء عن مشيئته سبحانه، ولكنه لم يردها (شرعاً) ولهذا لا يحبها ولا يرضاها تعالى، بل أمر عباده ببغضها ومجاهدة أهلها. كما قال (ولا يرضى لعباده الكفر) مع أن الكفر واقع في الأرض.
والأعمال الصالحة الواقعة من العباد قد شاءها الله وأرادها (كوناً) ، وأرادها (شرعاً) . ولهذا فهي محبوبة مرضية عنده تعالى.
ومن لم يفرق بين الإرادتين وقع في تخبط عظيم يؤدي به إلى الرضا بالكفر والبدع والفسوق والمعاصي زاعماً -بجهله- أن الله قد (شاءها) و (أرادها) ! فلماذا الإنكار على أهلها أو دعوتهم إلى الحق؟! (21)
يقول ابن القيم -رحمه الله-:"فصل: وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط علماً، وهو أن الله سبحانه له الخلقُ والأمر. وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي."
فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه، كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله.
وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله، فما وُجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعاً فهو محبوبٌ للرب واقع بمشيئته، كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
وما لم يُوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئتهُ.
وما وُجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته -أي الكونية- ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني.
وما لم يُوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته.
فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية فتكون هي المحبة.
إذا عرفت هذا فقوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) ، وقوله: (لا يحب الفساد) ، وقوله: (ولا يريد بكم العُسر) ، لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره، فإن المحبة غيرُ المشيئة، والأمر غير الخلق". (شفاء العليل 1/141-142) ."
وقال ابن أبي العز -رحمه الله- في شرح الطحاوية:"ومنشأ الضلال: التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله، ولا مرضية له، فليست مقدرة، ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه". (شرح الطحاوية، ص324) .
وفي ظني أن الذي أوقع الباحثَيْن في هذا الانحراف انصرافهما إلى قراءة كتب العصريين الذين لا يفقهون عقيدة السلف الصالح في هذه المسألة، ولهذا يخلطون كثيراً بين المشيئتين والإرادتين لأن هذا موافق لأهوائهم في عدم التفريق بين أهل الحق وغيرهم (22) .
المغالطة الثانية:
تلبيسهما على القارئ بافترائهما على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه ألف كتابه"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"للاعتذار عن انحرافات المبتدعة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية !! (ص6) .
وهو -رحمه الله- إنما ألف كتابه هذا ملتمساً العذر لأئمة أهل السنة والجماعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- فيما قد يقع في أقوالهم من مخالفة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، عازياً هذه المخالفة إلى أسباب (23) : إما عدم اعتقاد الإمام أن صلى الله عليه وسلم قال الحديث، أو اعتقاد أنه لم يرد تلك المسألة بهذا الحديث، أو اعتقاد أن الحكم منسوخ. هذه خلاصة رسالة شيخ الإسلام -رحمه الله-، فلا علاقة لها بالاعتذار عن المبتدعة والمنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة -كما يدعي الباحثان-!
كيف هذا ؟ وشيخ الإسلام هو صاحب الردود الشهيرة والفاضحة لطوائف أهل البدع؛ حيث رد على الرافضة بكتابه"منهاج السنة"ورد على الجهمية والأشاعرة بكتابه"تلبيس الجهمية"، ورد على الأشاعرة بكتابه"التسعينية"ورد على الصوفية بكتابه"الرد على الأخنائي".
كيف هذا؟ وهو القائل:"والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات؛ كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة" (24)
كيف هذا؟ وهو القائل:"ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل؛ مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين"
المغالطة الثالثة: