وفي الفصل الثاني، الطبيعة المركبة للأزمة الدورية، يقول المؤلف: إن الأزمة الدورية المعاصرة تكشف عن طبيعة مركبة، فلقد تشابكت منذ السبعينات مع بروز عدد من الأزمات مثل أزمة النظام النقدي الدولي، وأزمة الطاقة والخامات، وأزمة المديونية الخارجية، ومثل أزمة الغذاء، وأزمة البيئة، وكلها أزمات هيكلية، استغرقت وقتا طويلا حتى الآن من غير أن تصل إلى نهايتها - إن كان لها نهاية منظورة. ومن ثم ازدادت الأزمة الدورية تعقيدا، وبات الخروج منها أصعب كثيرا من ذي قبل. وتنعكس الأزمات الهيكلية بصفة خاصة في صورة بطالة هيكلية، وعجز هيكلي في الموازنات العامة، وميل إلى التضخم مع الركود. ولعل الظاهرة البارزة الآن هي تشابك الأزمة الدورية مع الأزمات الهيكلية التي يبحث رأس المال الدولي عن مخرج منها من خلال ترشيد الإنتاج على أساس منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية. ومن ثم تشابكت الظواهر ذات الطابع الدوري مع الأزمة الهيكلية طويلة الأمد والركود في الفروع القاعدية للاقتصاد الرأسمالي. ومن المعتقد أن أزمة الطاقة هي التي فجرت ظاهرة الأزمات الهيكلية على المستوى العالمي. وهكذا يصعب القول إننا نواجه مجرد أزمة إفراط إنتاج دورية، وإنما هي أزمة هيكلية لا تكفي أي تصحيحات تجري على هيكل الناتج للخروج منها، وإنما لابد من تحول جذري في هياكل التكنولوجيا والعمل. هذا بالإضافة لكونها أزمة هيكلية عالمية، شملت وتشمل العالم الرأسمالي كله، أما العالم الاشتراكي فإن الدعم القوي الذي تمارسه الدولة قد ظل حتى السنوات الأخيرة التي سبقت انهيار الاشتراكية يخفي مظاهر الأزمة.
وفي الفصل الثالث، القطاع العسكري ودورة الأعمال، يقول المؤلف: إن القطاع العسكري من الاقتصاد الرأسمالي تتجمع فيه كل ظواهر الرأسمالية المعاصرة مجسمة، فهو مركز تطوير واستخدام آخر كلمة في التقدم العلمي والتكنولوجي، وهو تجسيد حي للتدويل المضطرد للإنتاج ورأس المال وهيمنة الرأسمالية المالية، وهو مثال نموذجي للقدرة على التكيف وتصحيح عمل قوى السوق، ومن هنا فهو مهيأ ليكون محركا للنمو الاقتصادي وخصوصا في أوقات الأزمة. وهكذا فإن القطاع العسكري الحديث هو أرقى قطاعات الرأسمالية المعاصرة التي تربط عضويا بين الاحتكارات والدولة، بل يمكن اعتباره احتكارا قائما بذاته يضاف إلى الاحتكارات الكبرى. فقد أصبح الإنفاق العسكري عنصرا أساسيا في تشكيل وتطوير الاقتصاد القومي سواء بعقود توريد السلاح أو اعتمادات البحث والتطوير.
وفي النهاية، يخلص المؤلف إلى أن رأسمالية ما بعد الصناعة هذه تطرح علينا رؤية جديدة محددة للمستقبل المنظور، فنحن في الواقع بصدد رأسمالية عصرية لا تتعرض للركود المطلق وإن تعرضت بالطبيعة لدورة الركود النسبي. فهي بفضل إنجازات الثورة العلمية والتكنولوجية التي فجرتها وطورتها، وبفضل التدويل واسع النطاق للحياة الاقتصادية العصرية في كل بلد على حدة قد استطاعت في الواقع أن تجدد قواها المنتجة. وصارت من ثم أقدر على التكيف مع الأوضاع الجديدة في عصرها، الأمر الذي يتيح لها حتى الآن إمكانات النمو الاقتصادي ويمكنها من الاحتفاظ على مواقعها الاستراتيجية، بل يمنحها قدرة على استعادة ما فقدته بطرائق مستحدثة