فهرس الكتاب

الصفحة 16452 من 27364

ثم مُزج مفهوم الطائفة ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي أو ديني، فتحول إلى ما يشبه"المصدر الصناعي"في لغتنا ليفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية، والمنفصلة عن فاعلية الأمة، وبذلك أصبح مفهوم الطائفة يستخدم بديلا لمفاهيم الملة والعرق والدين التي كانت سائدة قبل ذلك. واختلطت هذه المفاهيم جميعا في بيئة متأزمة فكريا وسياسيا، مأزومة ثقافيا فأنتجت مفهوم"الطائفية"كتعبير عن حالة أزمة تعيشها مجتمعات عربية وإسلامية تكاد تكون شاملة لمجموع المحيط العربي والإسلامي كله مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا والسعودية ودول الخليج وإيران والباكستان وأفغانستان حيث تحول الجزء إلى كل، والبعض إلى كيان مستقل، وأصبحت الطائفية مذهبا وأيديولوجية وهوية حلت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى، بل وبدأت تتعالى عليها، وقد تبدي الاستعداد للتقاطع معها، وأخذ موقعها.

*الفرقة - المذهبية:يشير مفهوم"الفرقة"-أيضا- إلى الدلالات العددية، وإن كان يؤدي إلى معاني التفرق والانفصال دون تجاوز الجذور، كما أن معنى التفرقة فيه أكثر من الطائفية، وعلى الرغم من ذلك استخدم مفهوم الفرقة في الخبرة الحضارية العربية للدلالة على معان فكرية واعتقادية ومذهبية، فالمسيحية تنقسم إلى فرق، وكذلك الإسلام، ومن ثم فإن هذا المفهوم لا يحمل أية دلالات عرقية أو دلالات تعطي معنى التناقض الكلي أو الخلاف الشامل بين الفرق حتى عند من يشترط قبل ذلك وحدة جامعة تظهر بعدها أنواع من التفرق.إلا أنه في عصور الانحطاط الحضاري تحولت الفرق إلى مذهبيات منفصلة متعارضة متعادية خصوصا بعد الصراع العثماني الصفوي الذي استمر قرابة ثلاثة قرون ونصف. فتحولت الفرق إلى مذهبيات أو أيديولوجيات متناقضة تعمل على تجذير خلافاتها بحيث لا يكون هناك مجال للتلاقي أو الوصال أو التفاعل والتحاور. وقد يحل بعض الكاتبين مفهوم"الفرقة"محل الطائفة ويضفي عليها المعاني ذاتها..

ثانيا- الأشكال التاريخية للانقسامات في الوطن العربي:

إن النظرة الكلية لتاريخ الانقسامات في الوطن العربي تبين لنا أن هناك مرحلتين مختلفتين في تاريخ الانقسامات في هذه الأمة، أولاهما: مرحلة الانقسامات طبقا لمفاعلات داخلية.

وهذه هي المرحة الطبيعية التي تكون خلالها الكيان العربي وتطور، ومن ثم حدثت انقساماته الداخلية طبقا لعوامل ذاتية نابعة من داخله في مضمونها، تلقائية في تأثيرها والتفاعل معها. وأهم هذه الانقسامات:

*الانقسامات المذهبية:يعتبر هذا النوع من الانقسامات تطورا طبيعيا في أي نسق معرفي حيث لا يمكن أن يجتمع الناس على فكرة واحدة بصورة مطلقة، وحيث إن التعدد الفكري بين الناس طبيعي في مصدره، ووظيفي في غايته؛ لذلك كانت الانقسامات المذهبية للأمة الإسلامية بصفة عامة، وفي الكيان العربي بصفة خاصة مسألة لا تقضي على الوحدة، ولا تؤدي إلى التمزق أو التشرذم في ذاتها، وما لم تكن هناك مؤثرات خارجية تعجل بالتمزق أو تسرع به لا يكون لهذه الانقسامات تأثير سلبي.

*الانقسامات المللية:وطبقا لما سبق تأكيده في موضوع الانقسامات المذهبية، فإن الانقسامات إلى ملل في إطار الإيمان بثوابت دينية واحدة كانت أمرا طبيعيا وتطورا تلقائيا، ولم تكن سببا للتمزق أو الانقسام والتشرذم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت