فهرس الكتاب

الصفحة 16453 من 27364

وثانيهما: مرحلة الانقسامات طبقا لمفاعلات خارجية. تؤكد دائما أدبيات التكامل والاندماج المجتمعي والوطني على أن الانقسامات الاجتماعية الطبيعية مثل الانقسامات القبلية والإقليمية واللغوية والثقافية والطبقية لا تشكل تهديدا للمجتمع؛ طالما ظلت دون تفعيل في وعي الجماعة، وطالما لم يتطابق محوران للانقسام معا؛ فالانقسام الإقليمي مثلا ما لم يمتزج معه نوع آخر من الانقسامات مثل اللغة أو الدين أو الوضع الاقتصادي لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع واندماج مكونات الأمة.فوجود مجموعة من دين معين في داخل مجتمع من دين آخر لا يمثل تهديدا لتكامل المجتمع في ذاته، وإنما يظهر التهديد عندما تصبح هذه المجموعة ذات لغة مستقلة أيضا، أو تصبح مضطهدة سياسيا أو فقيرة اقتصاديا أو معزولة إقليميا. ولذلك ظلت الانقسامات الطبيعية في الوطن العربي دون تفعيل ودون تأثير حتى النصف الثاني من حياة الدولة العثمانية في طور انحدارها وتدهورها سياسيا وحضاريا، حيث بدأت تتطابق الانقسامات وبدأ يتم التعامل مع العرب كلهم كموضوع للحكم وطرف أدنى، كما بدأ التعامل مع بعض الطوائف العربية كأقليات مورس ضدها نوع من الظلم أو تم تغذية شعورها بأنها مخالفة أو أنها جزء خارج المجتمع أو أن لها وضعا سياسيا خاصا... إلخ. كل تلك السياسات أدت إلى تفجير الشعور الطائفي.ثم جاءت مرحلة النفوذ الأجنبي وادعاء الدول الأوربية -الطامعة في ممتلكات الرجل المريض- أنها حامية لأقليات مسيحية في الشرق العربي، ثم كان الاستعمار والتقسيم وتغذية عوامل وعناصر التفرق وتضخيمها ودفعها لتحتل مقدمة الوعي الثقافي العربي. وكانت ذروة المشكلة في حلولها، سواء الحلول القومية التي بذرت النزعة الذاتية لدى الكيان العربي ضد الدولة العثمانية ولم تستطع أن توقف نمو الشعور القومي بمعانيه الذاتية الخصوصية الضيقة عند حدود العرب، بل نما هذا الشعور وتطور داخل مكونات الأمة العربية، وبدأت تثار قضايا أخرى مثل الفرعونية والفينيقية والبربرية والمارونية والقبطية... إلخ، وقد تمثلت عناصر تفجير الانقسامات في هذه المرحلة في القضايا التالية:

*الدينية:سبق تحديد الخطوط العامة لمفهوم الدين، خصوصا في الأديان السماوية الثلاثة حيث تعتبر جميع الأديان السماوية من حيث المصدر وكثير من الأساسيات: دينا موحدا يرجع إلى إبراهيم عليه السلام والحنيفية السمحاء، ولذلك لم يكن البعد الديني محورا أساسيا في بناء المجتمع والتفاعل بين أبنائه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ولم يكن الدين محورا للاندماج والتكامل الاجتماعي. ولكن مع الممارسات العثمانية في مرحلة انحدار الدولة، ومع تدخل القوى الأوربية بصوره المختلفة: بدأ الدين ينقلب إلى دينية أيديولوجية تنفي الآخر، وتنعزل عنه بصورة أو بأخرى، فبدأت الدولة العثمانية تعامل المسيحيين كأجانب واستغلت الدول الأوربية ذلك وادعت الحماية واستجابت طائفة من المسيحيين ودعت إلى الانفصال. وفي نفس الوقت بدأت القوى السياسية المنتمية إلى المجموع المسلم من العرب تدعو أحيانا إلى رفض الدين وإخراجه من العملية السياسية، أو إلى هيمنة الدين بمفهومه المضيق على مجمل الحياة السياسية. وقبل ذلك لم يكن هناك وجود لمثل هذه الإشكاليات في العقل العربي بنفس الحدة والكيفية، فلم يكن العقل العربي يقيم تطابقا بين الدين والجنس أو الدين والقومية.ولعل تغلغل العقلية اليهودية في إطار الحضارة العربية أدى إلى نوع من التطابق بين الدين والجنس واللغة، بحيث يصبح الإسلام مساويا للعروبة وللعربية، فقد كان العقل العربي قبل ذلك يدرك الحدود والفوارق، ويعلم أن الدين للبشرية، وأن اللغة أداة والجنس ممتد متواصل ولكل حدود ولكل حقوق؛ فحقوق أبناء الرابطة اللغوية والمكانية والعرقية لا تفت فيها حقوق الرابطة الدينية. وقد ظهر -على مر التاريخ- كيف كان الاختيار عندما تعارضت الروابط فلم ينحز المسيحيون العرب لأمثالهم في الدين من الأوربيين في الحروب الصليبية، ولم يستقر حال المسلمين العرب مع ممارسات الدولة العثمانية ضد بعض الطوائف المسيحية ولم يرتضوا ذلك منها. وكذلك ممارساتها ضد المذاهب والطوائف الإسلامية لم تكن موضع رضا العرب عموما... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت