فهرس الكتاب
*فتشكيل"مجلس الحكم"الذي رتب له الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر (شهورا فقط بعد سقوط البلاد تحت الاحتلال) تحكمت في توليفته الروافد الطائفية (والمذهبية والعرقية أيضا) لدرجة بدا معها الأمر كما لو أن القاسم/المفارق المشترك بين العراقيين في تقاسم السلطة إنما هو القاسم الطائفي بداية وبمحصلة المطاف...لم يعمد الاحتلال فقط إلى جعل الطائفية المظهر الأساس للمشهد العراقي العام، بل عمل على شرعنتها لتغدو المعطى الناظم لكل مجريات ما بعد سقوط بغداد. .
*والانتخابات، كما توزيع المناصب كما التعيينات بالإدارات والسفارات وما سواها، حكمتها الخلفية الطائفية واعتمد فيها مبدأ المحاصصة الطائفية كما لو أن لا مقياس آخر بالإمكان على أساسه إفراز نخب سياسية تدير حال العراق تحت الاحتلال أو تفتح له في السبل مستقبلا للتداول السياسي على السلطة كما وعدت بذلك"ديموقراطية الاحتلال".
*وتكوين الأحزاب (كما إنشاء المنابر الإعلامية والفضائيات) كما تأسيس الميليشيات (وأعضاء"الجيش العراقي"أيضا) إنما تم بالاحتكام إلى"مبدأ"الطائفية الذي بات مصدر الهوية والانتماء والعنصر المحدد"للتباري على السلطة"وبلوغ"سدة الحكم".لم يقتصر الأمر عند حد اعتماد المحاصصة الطائفية كنمط في تحديد آليات"اللعبة السياسية الجديدة"، بل اتخذت كمرتكز أساس باستحضاره أفرغت العديد من الوزارات والجامعات من كوادرها (لتعوض بمقربين من الطائفة) واعتمدت سياسات في التهجير والتطهير والتصفيات ثوت خلفها ميليشيات لم تعرف منذ احتلال العراق من ولاء إلا ولاء الطائفة والعشيرة أو الحزب المعبر عنهما شكلا وبالمضمون، بل قل إن السقف الطائفي (والمشترك العقائدي) هو الذي أضحى الخيط الناظم"للعملية السياسية"التي ارتضت لنفسها الاشتغال من بين ظهراني الاحتلال وتحت حمايته وعلى هدي من توجيهاته. وعلى هذا الأساس، فإن عنصر الهوية (المرتكز على العروبة والإسلام والانتماء للوطن الواحد) قد تحول ليتخذ له من الركيزة الطائفية المرجعية والفلسفة... والهوية أيضا.ليس من المبالغة في شيء القول بأننا، بالعراق المحتل، إنما بإزاء شرخ في التركيبة الاجتماعية يبرز مشهدها العام كما لو أن الكل بات مع الكل ضد الكل... دونما فارز جوهري اللهم إلا فارز الطائفة أو العشيرة أو القبيلة (أو المذهب الديني) بصورة بدائية قاتمة أو متخذة لها تلوينات سياسية في إطار الحزب أو الجمعية أو الهيئة أو التكتل العقائدي وهكذا... لكنها بالأساس عنصر تناحر وتمنع يتقاتل بموجبها أبناء الوطن على خلفية من الإنتماء البدائي للطائفة أو للعشيرة أو للقبيلة أو لغيرها. إنها (الطائفية أقصد) غدت العزوة بامتياز، بالاتكاء عليها تتحدد موازين القوة وبالركون إليها يؤشر على قوة هذا الطرف أو ذاك. وهو أمر لا يعبر فقط عن ضيق أفق سياسيي"العراق الجدد"، بل وأيضا عن عدم نضجهم السياسي واحتكامهم إلى أشكال في الصراع هي بدائية بكل المقاييس. وإذا كانت الاستراتيجية الأنجلوأمريكية قائمة، في توجهاتها الكبرى على الأقل، على تقسيم العراق إلى دويلات ثلاث أو أكثر (وهي التي مهدت بالأمس لذلك من خلال مناطق الحذر وتمهد له اليوم عبر تجذير الطائفية لدرجة اعتمدت في توزيع أطياف الهاتف المحمول) فإنها تتخذ من الخاصية الطائفية الغاية والوسيلة وتدفع بجهة إنمائها وتطعيمها لتصبح، بمرور الزمن، أمرا مستساغا، مقبولا ومبررا فضلا عن كل هذا وذاك.