فهرس الكتاب
ومن الأحداث التي تقدم تفسيراً للكيفية التي يحاول بها الأمريكيون إدارة الفسيفساء الشيعية موقفهم من تيار الصدر في المواجهة الأخيرة؛ فقد وضعت أمام قوات الاحتلال خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف، في مقدمتها اغتيال مقتدى الصدر وتصفية جيش المهدي، وكان المطلوب فقط معاقبة التيار وممارسة ضغوط تدفعه للتحول إلى المشاركة السياسية وهذا ما حصل بالفعل ، وكان ذلك واضحاً، فلم يكن الصدر متخفياً في جميع الأوقات أو ممتنعاً عن استخدام الهواتف المحمولة ومن ثم لم يكن رصد مكانه عملاً صعباً، ورغم تصريح أكثر من مسؤول أمريكي أن الصدر مطلوب اعتقاله أو قتله لم يُصَب الزعيم الشيعي بخدش واحد، فقط ظهر في إحدى المرات أمام الفضائيات برباط صغير من الشاش حول معصمه ربما لذر الرماد، وقد فسر كثير من المراقبين الأسلوب الأمريكي بأن الاحتلال لا يريد أن يفقد تيار الصدر كعنصر مهم في موازنة القوى الشيعية الأخرى التي يناصبها العداء مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة، وقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن قدرة الأمريكيين على التحكم في القوى الشيعية تزداد عندما تتصاعد حدة الصراعات، وقد بلغ تحكم الإدارة الأمريكية في السيستاني ذروته في تلك الفترة؛ خاصة عندما قصفت المراقد في النجف بينما كان السيستاني يتلقى العلاج في عاصمة الحليف الأول لأمريكا: لندن، وقد بلغ الأمر حد وصف الصحفي الأمريكي فريد زكريا رئيس طبعة النيوزويك الدولية السيستاني بأنه: «حليف كبير محتمل للولايات المتحدة» (نيوزويك، 20/4/2004م) ، كما وصفه بالذكاء لأنه يتجنب التحالف العلني مع قوات الاحتلال أو مقابلة المسؤولية الأمريكية. (نيوزويك، 2/3/2004م) .
وعلى الجانب الشيعي فقد تحالف شيعة العراق مع الاحتلال الأمريكي من أجل تحقيق أربعة أهداف: إسقاط صدام حسين، تثبيت أكذوبة الأغلبية الشيعية، إقامة انتخابات يفوز بها الشيعة، تأسيس دولة شيعية في الجنوب، وقد حقق لهم الأمريكيون الهدفين الأولين والثالث تم لهم في العام الماضي ثم حدثت تحولات جذرية عندما أصر السنة على خوض الانتخابات فأربكت الموقف ووضعت عراقيل كأداء في طريقهم ويبقى الهدف الرابع قيد البحث.
وبالنسبة للانتخابات فإن الشيعة في العراق يهدفون إلى تقوية البناء السياسي للدولة العراقية، وتحقيق قدر من الاستقرار من أجل إعادة تفكيك الدولة من جديد بعد أن يكونوا قد امتلكوا زمامها بحكم الأغلبية المصطنعة، وهم يدركون جيداً أن تنفيذ هدف الدولة المستقلة لن يمكن من خلال وضعية الفوضى والعشوائية السياسية السائدة حالياً، وبذلك نفهم سر دعوة السيستاني الدائمة إلى تبني المقاومة السلمية؛ فهو يعلم تماماً أن المقاومة المسلحة لن تفيد في تحقيق الدولة الشيعية .
خلاصة الشأن الشيعي العراقي أن إيران وأمريكا يتبادلان تحريك تياراته حسب رؤية كل منهما لمصالحه، وفي الفترة الحالية كان تقاطع المصالح بين الشيعة وكلا الدولتين متحققاً بوضوح، ولكن كلما اقترب الشيعة من تحقيق مشروعهم السياسي في الجنوب فإن افتراق المصالح يبدو قريباً، وفي حال بقي نظام طهران قوياً فإنه لن يسمح أبداً بدولة شيعية مستقلة عنه، وفي حال نجح الأمريكان في إسقاط نظام الملالي وإقامة نظام علماني فستفقد أحزاب الشيعة ذات الأجندة الدينية مصدر دعمها الرئيس، وتتحول الدفة إلى الأحزاب العلمانية التي توالي الإدارة الأمريكية، ولا يُتوقع أن تقوم إدارة أمريكية مهما كان توجهها بتكرار التجربة الإيرانية الخمينية مرة أخرى، وهذا يعني أن خيار الدولة المستقلة مجرد سراب يُقاد إليه الشيعة - الفسيفساء.
[ الشيعة ، أحمد فهمي ، موقع مجلة البيان الاسلامية ، العراق ودائرة الاستعمار، بتصرف ] .
أسباب الاحتقان الطائفي في جنوب العراق
قد لا تقع الأزمات بصورة مباشرة، ولكن تأخذ مداها التاريخي وتتجذر في واقع المجتمعات حتى يحين الوقت الذي تطل فيه على الجميع فتتفاوت حينئذ الأنظار وتختلف الرؤى والتحليلات وتتعاظم وتكثر وصفات العلاج، ولكن الجميع سيتفق وقتها على أن هناك أزمة ناشبة تنذر بخطر وشر مستطير على استقرار البلدان ومستقبلها في نواحيها المختلفة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل والجغرافية كذلك.
لم يعد مناسبًا ولا موضوعيًا أن نقول: إن العلاقة بين السنة والشيعة في العراق هي علاقة قوية ومتينة، فمما لا شك فيه أن هناك احتقانًا طائفيًا حقيقيًا وموضوعيًا، له الكثير من الأسباب التي لو استمرت لهددت بالفعل نسيج الوحدة الوطنية العراقية ..
إن ما يجري ونشاهده في ( المشكل العراقي ) من مواجهات طائفية تهدد بانفجار حالة من الاحتراب الاهلي والمجتمعي لا سمح الله ، ولا شك أن لهذه الظاهرة أسبابها الموضوعية ودوافعها التي فاقمت منها حتى وصلت الى ما وصلت اليه في بلادي التي تنزف رجالاً ونساءً من بحر دمها الذي صنع حضارة للناس في يوم من الدهر!
وفيما يأتي محاولة لرصد هذه الاسباب .