فهرس الكتاب
هل يصح ان نستمر في القذف بكل عقدنا وأمراضنا إلي العتبة الأمريكية. هناك بالفعل محتلون، ولكن هل كان الاحتلال هو الذي وجهنا لهذا الافتراس الأهلي الدموي لبعضنا البعض. ثمة قدر كبير من السذاجة أو السطحية أو سوء النية، يجتمع أو يتوزع علي هذه الأسئلة، لأن الإجابة الوحيدة الممكنة لها هي نعم، الاحتلال والنظام البشع، المشوه، المعادي لتاريخ العراق وشعبه، الذي أقامه المحتلون، هو المسؤول المباشر عن هذا العنف.ربما كان العراق يسير بالفعل نحو حرب أهلية، وربما استطاعت حكمة بعض من قادته وعلمائه وأعيان مجتمعه انقاذ العراقيين من جحيم هذه الحرب. ولكن أحداً لا يجب ان يخطئ حجم الدمار السياسي والاجتماعي الذي أوقعه الاحتلال وحلفاؤه بالعراق. العراق ليس الوطن الوحيد في العالم الذي يضم شعباً متنوعاً من الإثنيات والطوائف، بل ان الدول المتجانسة إثنياً وطائفياً هي من القلة في العالم بحيث يصعب حتي الجزم بوجودها. وما ينطبق علي الشرق العربي والإسلامي، حيث الدولة القومية الحديثة لم تتعمق جذورها بعد، ينطبق أيضاً علي الدول الأوروبية الغربية، حيث ولدت الدولة الحديثة واكتسبت ملامحها السياسية والقانونية. لابريطانيا، ولا بلجيكا، ولا أسبانيا، ولا فرنسا، بنيت علي تجانس عرقي وديني. وحتي ألمانيا، حيث العرق الجرماني هو السائد، تكونت الدولة (في أي حدود اعتبرت لها) من كاثوليك وبروتستانت ويهود، وخالط بنيتها القومية روس وبولونيون، بينما انتشرت المجموعات الإثنية الجرمانية في بلاد أوروبية أخري عديدة. في أي من هذه البلدان المعروفة اليوم باستقرارها (بعد حروب أهلية طويلة ودموية) ، يمكن ان ينفجر السلم الأهلي في لحظات، إن وضعت في سياق شبيه بالسياق الذي دفع إليه العراق خلال السنوات الثلاث الماضية. كان مدهشاً، بالطبع، في الأيام القليلة السابقة لتفجير مقام الإمامين العسكريين ان نسمع السفير الأمريكي في بغداد يشن هجوماً صريحاً علي التوجه الطائفي لوزارة الداخلية ومؤسسات الحكم العراقي الجديد.ولكن السؤال الذي كان يجب علي السفير (أفغاني الأصل، المتحدث بالعربية) أن يسأله هو من المسؤول، من الذي وضع الأسس التي بني عليها هذا الحكم البشع، الغريب عن العراق وتاريخه. حتي قبل انطلاق مشروع الغزو كانت أوساط أمريكية وبريطانية تروج لعراق منقسم علي ذاته، عراق صور كأنه صنيعة بريطانية من التحام ولايات عثمانية مختلفة. وما أن أسس المحتلون أنفسهم في المنطقة الخضراء، حتي أطلق مشروع سياسي ودستوري واضح المعالم لدفع العراق إلي طريق الانقسام علي الذات. قيل للعراقيين انهم باتوا منذ اليوم أكثريات وأقليات، وان دولتهم الجديدة ستقوم علي نظام فيدرالي إثني وطائفي معاً، وهو واحد من أغرب الفيدراليات التي عرفها العالم. وما ان بدأت الدولة الجديدة في التشكل، بتأسيس مجلس الحكم سيئ الذكر، حتي قسم العراقيون إلي سنة وشيعة، وإلي أكراد وعرب، وإلي مسلمين ومسيحيين. وما انطبق علي مجلس الحكم، انطبق علي الحكومات الانتقالية. ثم جاء مشروع الدستور الجديد ليعيد التوكيد علي تقسيم العراق وشقه علي ذاته، إدارة وحكماً وتمثيلاً برلمانياً ووطناً.يتفق أغلب العراقيين علي معارضة الغزو والاحتلال، ويتفقون علي ان هناك ظلماً شاملاً أصابهم جميعاً في ظل النظام السابق، وإن بدرجات مختلفة. ولكن أحداً لم ير العراقيين يخرجون في حركة شعبية عارمة تطالب بتقسيم البلاد عرقياً وطائفياً، بمعني ان النظام الذي أقامه الاحتلال لم يأت للاستجابة لمطالب شعبية وطنية عراقية، بل جاء نتيجة لتواطؤ ضمني بين مديري الاحتلال وحفنة من السياسيين العراقيين الذين وضعوا أنفسهم في صف الغزو والاحتلال. وهنا أخذ مشروع التقسيم في محاولة تأسيس مواقع شعبية له. حفنة من السياسيين الطائفيين، من اللصوص والطامعين في ثروة البلاد وقوت شعبها، من المنظمات السياسية المحترفة، فشلت في تقديم نفسها إلي العراقيين بصفتها قوي وطنية فلجأت إلي كهف الخطاب الطائفي التقسيمي المظلم لتسويغ الامتيازات ومواقع السلطة والحكم التي منحت لها من إدارة الاحتلال. صاغت هذه القوي، التي يتصف أغلبها بجهل العراق وشعبه، تاريخاً جديداً للعراق وطوائفه وأعراقه، وتاريخاً جديداً للدولة العراقية وسياساتها، وتاريخاً آخر للوطن العراقي. أصبحت أساطير الاضطهاد الطائفي صناعة، احترفها رجال دين وسياسيون ركيكون، ومراكز إعلامية رخيصة الخطاب والحرفة. ولم يكن مستغرباً بالتالي أن يبدأ العراقيون في اكتشاف هويات لم يعرفها تاريخهم السياسي من قبل، وأن تبدأ جدران الخوف الطائفي في الفصل بين شمالهم ووسطهم وجنوبهم، بين الجار وجاره، الطالب وزميله، بل والرجل وزوجته. فجأة، اكتشف أبناء تميم وشمر والدليم أنهم شيعة وسنة، واكتشفت أبناء أسر بأكملها أن عليهم مخاصمة أخوالهم وأجدادهم من الطائفة الأخري. ولم يعرف تاريخ الأمم والشعوب ما عرفه العراق خلال العامين أو الثلاثة الماضية، عندما أخذ من يدعون أنهم أكثرية سكان العراق في الدعوة إلي تقسيم الوطن إلي كانتونات طائفية متصارعة، لا يعرف أحد أين يبدأ