فهرس الكتاب
حدود الشيعة فيها وأين تنتهي حدود السنة. وفي حين يعرف أكثر العراقيين لغة التطرف واستباحة الدماء التي تحاول التغطي بغطاء المقاومة، وينكرونها، فإن تكفيريين قتلة يقفون علي رأس قوي سياسية ويحتلون مقاعد وزارات جعلوا منها مراكز لعصابات الاغتيال الطائفي والتعذيب والاختطاف علي الهوية.ما شهده العراق في الأسبوع الثالث من هذا الشهر لم يكن انفجاراً طارئاً، كما يقول الاعتذاريون بحسن نية، ولا هو سمة متأصلة في الشخصية العراقية، كما يحاول الجهلة والسفهاء التأكيد. هذا نتاج طبيعي ومتوقع لنظام سياسي أريد له، بوعي أو بدون وعي، ان يوصل العراق إلي ما وصل إليه، ولمنطق سياسي أريد له ان يزرع الخوف بين الطوائف، ولنمط حكم أريد له تشظية الشعب وإقامة هوة من الدم بين جماعاته وقواه. ومن العبث التعامل مع هذا الانفجار باعتباره حدثاً عابراً يمكن حصاره بعدد من اللقاءات بين بعض المسؤولين وقادة الأحزاب والعلماء. مثل هذا الجهد وهذه اللقاءات ضروري لوضع حد لسفك الدماء ومنع الأوضاع من التفاقم والتصعيد، ولكن العلاج الحقيقي يتطلب جهداً أكبر وأوسع وأكثر عمقاً.
علي القوي الإسلامية الشيعية، محل ثقة الأمة، داخل المنطقة العربية وخارجها، ان ترفع الغطاء عن الجماعات الطائفية الانفصالية التي تحاول إغراق العراق في الدم خدمة لمصالح سياسية صغيرة. لم يعد من الممكن ان تقوم هيئة علماء المسلمين في العراق واتحاد العلماء المسلمين (الذي يقوده الشيخ القرضاوي) بالتبرؤ من الزرقاوي وأمثاله، بينما تقوم القوي والشخصيات الشيعية العربية بتوفير الغطاء والاعتذار للطائفيين القتلة في العراق. التنظيمات التي تقودها عمائم هي أكثر خطراً من تلك التي يقودها نكرات، وإن كان للمسلمين أن يحافظوا علي وحدتهم داخل العراق وخارجه، فلا بد من عزل جميع القتلة، التكفيريين والطائفيين، سنة وشيعة. علي الإسلاميين العرب جميعاً، سنة وشيعة، ان يعلنوا موقفاً واضحاً وصلباً ضد مشاريع تقسيم العراق، باسم الفيدرالية أو بأي اسم آخر، وأن يطالبوا بإلغاء الدستور المسخ الذي وضع تحت ظل ظروف شاذة من الاحتلال وسيطرة عناصر لم تكن وليس من المتوقع ان تصبح محل إجماع من العراقيين، دستور تم تمريره في أجواء من الخوف الأهلي والاستقطاب الطائفي، وبوسائل التزييف والعبث بأصوات العراقيين. وعلي القوي العراقية الوطنية، إسلامية كانت أو غير إسلامية، مقاومة كانت أو غير مقاومة، ان تستمر في رفضها للوضع الراهن ولكل ما ولد من رحم نظام الاحتلال، حكومة ودستوراً ونظاماً انتخابياً وجيشاً وقوي أمنية. هذا العراق غير قابل للحياة، لا بمقاييس تاريخ العراق ذاته، لا بالمقاييس العربية والإسلامية، ولا حتي بمقاييس أهل الرأي داخل الولايات المتحدة وأوروبا. وعبثاً يحاول البعض ترقيع هذا المولود المشوه بتعديل دستوري هنا واتفاق حزبي هناك. الخطأ هو في جوهر وأساس هذا العراق، وهو ما يستدعي إعادة بنائه في ظل ظروف مختلفة تماماً عن الظروف التي سادت منذ الاحتلال. بدون ذلك، فسيظل العراق عرضة للانفجارات المتكررة، مرة بين السنة والشيعة، ومرة بين العرب والأكراد، مرة بين القوي الشيعية أو الكردية، وأخري بين القوي السنية، حتي يأتي يوم يقع فيه الانفجار الكبير حيث سيلغ الجميع في دم الجميع. وعندها لن يغرق العراق وحده، فكل الاجتماع المشرقي العربي ـ الإسلامي تعددي ومتنوع، إثنياً وطائفياً.أليست مجتمعات إيران وتركيا وسورية ولبنان والسعودية ودول الخليج هي مجتمعات تعددية؟ هل يمكن صناعة تفجير سني ـ شيعي في العراق، ومنع عواقبه من الامتداد إلي إيران والسعودية ولبنان، أم هل يمكن صناعة كيان كردي في شمال العراق، يهيمن بقوة السلاح علي جواره العربي، بدون أن تمتد عواقبه إلي سورية وتركيا وإيران؟ العراق هو صورة مصغرة للشرق كله، وسواء أراد العرب والمسلمون أم لم يردوا، فقد بات مفتاح الاستقرار لكل الشرق، عربه وفرسه وأتراكه وكرده. وهذا الاستقرار لن يستعاد من جديد بدون التخلص من الاحتلال ونظامه. الاحتلال هو المسؤول الأول عن تشظي الاجتماع العراقي، وهو المسؤول عن إقامة هذا النظام المشوه، وهو الذي زرع في رحم الدولة العراقية الجديدة عوامل الانفجار والانقسام والصراع الدائم. بدون نهاية الاحتلال لن يتحرر العراق من كوابيسه، ومن العبث تسويغ المطالبة باستمرار الاحتلال الأجنبي خوفاً من تداعي النظام وانفجار العنف الداخلي. فالنظام متداع علي أية حال، والعنف الداخلي يكاد الانحدار إلي حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. ثم، أليست القوي المطالبة باستمرار الاحتلال هي ذاتها القوي الساعية إلي تقسيم البلاد، والتي تلعب الدور الرئيسي في تأجيج مناخ العزلة والخوف والثأر الطائفي؟وبعد، فخلف ما يشهده العراق درس لا يجب لكل صاحب نظر ان يغفله. إن ميزان قوي يقوم علي تدخل الأجنبي ووجوده سرعان ما سينهار، إما بخروج الأجنبي أو بقيامه بتغيير تحالفاته. ولشعوب هذه المنطقة ذاكرة طويلة وعميقة لن تنسي لأحد مواقفه وأفعاله.