فهرس الكتاب
ما هو التعصب العرقي؟ نقصد بالتعصب العرقي التمييز العنصري أو العنصرية سواء كانت على مستوى عائلة، أو قبيلة، أو شعب، أو أمة، أو لون، أو جنس والتمييز العنصري كما جاء في موسوعة السياسة- الجزء الأول- للمؤسسة العربية للدراسات والنشر في ص788 هو:"أحد مكونات العنصرية يستند إلى مفهوم التفوق العنصري، وهو مبدأ يصنف البشر على أساس الهوية العنصرية، ويقسمهم إلى أجناس متفوقة، وأخرى سفلى ويمنح الأجناس المتفوقة امتيازات خاصة (مادية ومعنوية) يحجبها عن الأجناس الدنيا وتأخذ هذه الامتيازات أشكالاً متعددة"وعلى سبيل المثال جاء في نفس المصدر في ص771 تعريف العنصرية الآرية، (النازية) "بأنها استندت إلى أسس مستغلة دون حق بعض الاكتشافات البيولوجية، ونظريات نيتشه (السوبرمان) علمية زائفة لتثبت أن نقاء العنصر الآري هو سبب لتفوق الألمان، ومبرر سيادتهم على العالم، ولم تكن هذه النظرية مقتصرة على الألمان، بل شملت العديد من الطبقات الحاكمة في أوروبا"وهذا النوع المعلن من التعصب العرقي أصبح قليلاً بعد أن وقف العالم ضده على الأقل بصورة ظاهرية، وهذا لا يعني غياب، أو ضعف التعصب العرقي في حياة البشر فهو موجود بصور مختلفة في واقع شعوبنا وأمتنا، وجميع أمم الأرض، وله فلسفات ومبررات قد لا يتم تداولها بصورة علنية، ولكن يتم تداولها في دوائر مغلقة سواء على مستوى عائلي أو طبقي أو قبلي أو شعبي أو أممي أو جنسي. قال الدكتور فؤاد محمد الصقار:"وتختلف الصورة التي تتخذها التفرقة العنصرية من مكان لآخر، ومن زمن لزمن، فهناك التحيز العنصري، ومؤداه أن يعتقد عنصر من العناصر البشرية أنه أرفع شأنا من بقية العناصر وقد سبب هذا التحيز كثيراً من المشاكل السياسية والاجتماعية التي تمثلت في الفاشية، والنازية، والصهيونية، وكراهية الأجانب والتعصب للذات، وقد يكون التحيز العنصري ضد مجموعة واحدة، كما هو حال التحيز ضد الزنوج في الولايات المتحدة، وفي بعض الدول الأوروبية، أو ضد المجموعات السلالية الأخرى كما هو حال التحيز ضد العناصر غير الأوروبية في جنوبي أفريقيا وروديسيا وقد يكون التحيز ضد البشر جميعاً كما يفعل اليهود، وقد لا يعبر التحيز العنصري عن نفسه إذا لم يكن هناك احتكاك واختلاط بين المجموعات العنصرية المختلفة أو إذا كانت الجماعات التي تعتنق هذه الأفكار أقلية لا نفوذ لها، وفي هذه الحالات يبقى التحيز العنصري حالة نفسية أو نوعاً من مركب النقص". وقال"تركزت الفلسفة العنصرية منذ القرن الثامن عشر وحتى أوائل هذا القرن في سيادة وامتياز ما يسمى (بالعناصر الآرية) ويقصد بها السلالة التي تعيش في شمال غربي أوروبا" (1) .
وشغل التعصب العربي مفكرين وسياسيين، وأثر في واقع البشر قديماً وحديثاً، وهو موضوع له جذور في تاريخ الشعوب والأمم، وفي ثقافتها وسلوكها قال الأستاذ عبدالعزيز قباني:"العصبية، بداية، نعرة فئوية، دموية، رحمية ملازمة لنمو النوازع الأولية، يتربى عليها الطفل، وتبدأ مع الأم في الأسرة" (2) .
وقال أيضاً:"العصبية في الجماعة شعور فئوي بوحداتها المتميزة، بشوكتها، بكونها سلطة واحدة، وجسماً واحداً ومصلحة واحدة، قوية التضامن والتماسك، يشد أفرادها بعضهم إلى بعض، شعور بالانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات، وشعور الانتماء هذا يولد في أفرادها التزاماً قيمياً فئوياً نحوها، بكل ما لها وما عليها التزاماً واجباً ومسؤولاً، يجعل الأخ ينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً ويجعل جماعة العصبية ترى"شرارها أفضل من أخيار غيرها" (3) ."
وهنا يتحدث الأستاذ قباني عن العصبيات بشكل عام العرقية والسياسية وغيرها، واهتم المفكر ابن خلدون بالعصبية العرقية فهو يعتقد بأن دوام الملك (نظام الحكم) بدوام العصبية كشوكة ونعرة دم، فقال:"ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد، لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم"والملك يحصل برأيه (ابن خلدون) بالتغلب، والتغلب يكون بالعصبية" (4) وتطرق الأستاذ صلاح الدين الأيوبي إلى موضوع العصبية فقال"العصبية في تعريف أهل اللغة هي أن يدعو الرجل إلى نصر عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين، وهي مشتقة من التعصب أي: التجمع ولما كان أقارب الرجل يعصبون به أي يلازمونه ويحيطون به، سموا"عصبة"، وقد أطلق على أقارب الرجل من جهة أبيه" (5) وقال:"كانت الذهنية البدوية الجاهلية لا تتصور الكائن الإنسان إلا داخل مجموعة شريعتها العصبية القبلية، حيث يعد أفرادها نسخاً يطابق بعضها البعض، ويذوب كل شخص في القبيلة، ولم تكن العصبية القبلية لتعترف بالتضامن والعلاقات الودية إلا بين من تجمعهم رابطة القرابة، وتبني واقعية العصبية على تقديس الجد المشترك" (6) وقال:"وتكون العصبية للقبيلة بأسرها إلا أنها أشد بالنسبة للأقربين منهم، وكل رجل من القبيلة يشعر أنه مسؤول عن جماعته كلها، كما أن القبيلة كلها تشعر أنها مسؤولة عن كل من ينتمي إليها" (7) ."