فهرس الكتاب
وما ذكره الأستاذ صلاح الدين هنا يثبت أن العصبية قائمة في أساسها على مصالح متبادلة، وهذا من أهم عناصر استمرارها، وليس لنا اعتراض على مصالح مفيدة، وتزيد المجتمعات والأمم والعالم عدلاً ورحمة وخيراً، بل اعتراضنا على المصالح غير المشروعة من تعاون على الظلم والشر والأذى. وإذا كانت أغلب الأقوال والتعاريف السابقة تتعلق بالتعصب العرقي القبلي فذلك لأن القبائل كانت هي الكيانات السياسية والاجتماعية السائدة في الماضي في حين أن هذه الاقتناعات لازالت موجودة على مستوى الشعوب والأمم والأجناس ولهذا قال الأستاذ صلاح الدين الأيوبي"والعصبية القبلية شبيهة بالاتجاهات القومية المغالية في النظام السياسي الحديث، فكما أن القومية المتطرفة تتعصب لجنسها، وتؤمن بتفوقها على سائر القوميات، فكذلك العصبية القبلية تقوم على هذه العقيدة الشوفينية، فكل قبيلة تتعصب لنسبها، وتؤمن بتفوقها على سائر القبائل" (8) .
وما ينطبق على القومية ينطبق على الوطنية أيضاً، أي على العرق الشعبي إن صح التعبير، وجاء في لسان العرب وتاج العروس هذا التعريف:"القوم الجماعة من الرجال والنساء، وقوم كل رجل شيعته وعشيرته، وقيل الجماعة من أب واحد" (9) وقال الدكتور محمد أحمد خلف الله"موطن القوم هو الأرض التي يقيمون فيها، ويمارسون حياتهم عليها، ويقولون عنها أنها موطنهم أو وطنهم"وقال:"القومية إذن مجموعة من الروابط الثقافية الناجمة عن تعايش مجموعة بشرية في مكان واحد، ولها تاريخ واحد، ومصالح مشتركة" (10) .
أما الدكتور محمد عمارة فقد ألغى أهمية العرق والنسب حيث قال:"فالعروبة إذن ليست عرقاً ولا نسباً وإنما هي لغة وآداب وتكوين نفسي وحضارة وولاء" (11) وهو يختلف جذرياً مع ما قاله هتلر حيث قال:"إن القومية، أو على الأصح العرق، هو مسألة دم، وليس مسألة لغة" (12) وقال:"ولم يكن لهم (اليهود) من الألمانية سوى اللسان الذي أتقنوه مع الزمن. ومتى كانت اللغة قوام العرقية؟" (13) أما أحد علماء السلالات البشرية فيقول:"العرق، جماعة كبيرة من الناس، عاش جدودهم على نسق معين من الحياة، سلك الأحفاد في اتجاه موحد، فنسلوا نماذج خلقية متشابهة" (14) .
ما تم ذكره من أقوال كان الهدف منها بيان الملامح الرئيسية للتعصب العرقي ومبرراته، فلا شك أن البشر يختلفون في أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وتاريخهم وأرضهم ومصالحهم ولكن من الخطأ أن يؤدي ذلك للتعصب العرقي سواء على مستوى عائلة، أو قبيلة أو شعب أو أمة فالبشر كلهم بنو آدم وحواء، والانتماء الصحيح هو للمبادئ الصحيحة أي للعقيدة والعدل والخير والعلم والعمل والأخلاق. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13) سورة الحجرات وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ {24} ) .
من سلبيات التعصب العرقي