فهرس الكتاب
أما الموقف الإسلامي من التعصب العرقي فهو: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13) سورة الحجرات.. وقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (70) سورة الإسراء فكل بني آدم تم تكريمهم بغض النظر عن ألوانهم وانتماءاتهم العرقية فلماذا يحتقر بعضهم بعضا بسبب لون أو عرق؟! وقال تعالى: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..) (103) سورة آل عمران أي أن المسلمين أصبحوا بالتوحيد والإيمان إخوانا بعد أن كانوا أعداءً بسبب التعصب العرقي وغيره وربط أحد علماء الإسلام بين التعصب العرقي لعائلة أو قبيلة أو شعب أو أمة وبين معصية إبليس عندما رفض السجود لآدم عليه السلام حيث قال تعالى حاكياً عن قول إبليس (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (12) سورة الأعراف أي استند إلى الأصل العرقي، فهو رفض العدل الإلهي، ورأى أنه ظلم دون وجود منطق حكيم، كأن يقول أنا أقوى، أو أعلم من آدم، ويفرق التعصب بين بني آدم ليس بناء على العقيدة، أو الكفاءة، أو الأخلاق بل بناءً على الأصل العرقي، هذا الأصل الذي يعلم جميع العقلاء أنه لا يعني أي شيء إطلاقاً في ميزان الحقيقة، وميزان التفاضل الشرعي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى هو"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"ولكن أصحاب الجاهلية المنتنة يرفضون هذا الميزان ويرفضون القاعدة الإسلامية التي تقول"لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". ولنثق كل الثقة بأنه كلما ضعف إيمان الإنسان وتلاشى، زاد تعصبه، وكذلك كلما زاد جهله زاد تعصبه، ويجهل كثير من العقلاء والمتعصبين أن محاربة التعصب هي أحد التغيرات الجذرية التي أحدثها الإسلام في القبائل العربية فقد نقلهم من التعصب العرقي إلى الانتماء للعقائد، والمبادئ والعدل. قال الأستاذ صلاح الدين الأيوبي:"وقد أدخل الإسلام تغييراً هاماً على المفاهيم القبلية الجاهلية فجعل مدار التفاضل بين الرجال على التقوى والإيمان لا على الأحساب والأنساب" (48) وقال"لقد وجه الإسلام اهتمامه منذ البداية دعوته إلى تقويض الأوضاع والأفكار الفاسدة مبتدئاً بالوثنية وما يتبعها من ضلالات الشرك، ومثنياً بالعصبية والقبلية التي كانت تحول دائماً دون توحد الناس واجتماع شملهم، وكانت تؤدي إلى إثارة الضغائن واستمرار الأحقاد واتصال الحروب بين قبائل العرب" (49) وقال أيضاً"لقد وجدت العصبية القبلية نفسها منذ مجيء الإسلام أمام خصم قوي شديد المراس هو هذه العقيدة الجديدة التي تدعو العرب بل الناس كافة إلى التآخي والتآزر ونبذ أسباب العداوة بينهم، ونبذ حمية الجاهلية ونزاعاتها، قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (26) سورة الفتح" (50) ونقلهم من (انصر أخاك ظالما) إلى اردعه عن الظلم، وعلمهم أن العدل هو الأساس، (ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) مع أنها من ناحية عرقية أقرب الناس إلى الرسو صلى الله عليه وسلم ولكن أصحاب التعصب العرقي يرفضون ذلك، فإذا ارتكب فرد من خارج قبائلهم أو شعوبهم جريمة نظروا إليه بتعصب وقسوة، وعاقبوه بأكثر مما يستحق وأما إذا كان المجرم منهم سامحوه، أو خففوا العقوبة، فقوانين العدل تتأثر عندهم بالانتماء العرقي، وهذا ظلم ولهذا علينا ألا نستغرب عندما نجدهم يدافعون عن أصحاب الاختلاسات والحروب الظالمة، وعن عادات ومفاهيم اجتماعية منحرفة وعندما يسأل الرسول الصحابي بن واثله بن الأسقع:"يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم؟" (51) . ولا يعارض الإسلام الانتماء لقبيلة أو شعب أو أمة، ولكنه ضد التعصب والظلم قال ابن خلدون:"وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم، أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا" (52) وقال جمال الدين الأفغاني عن تأثير الرابطة العرقية:"فطرة فطر الله الناس عليها، أن الملتحم مع الأمة بعلاقة الجنس أو المشرب يراعي نسبته إليها ونسبتها إليه ويراها لا تخرج عن سائر نسبه الخاصة به، فيدافع الضيم عن الداخلين معه في تلك النسبة دفاعه عن حوزته وحريمه هذا إلى ما يعلمه كل"