فهرس الكتاب
نعم إن الإنسان مخلوق كريم، كما قال تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [45] ، وقال ( ولقد كرمنا بني آدم ) [46] ، لكنه لما حاد عن منهج الله ، قال تعالى عنه: ( ثم رددناه أسفل سافلين ) [47] ، ولم يستثن إلا من ثبت على شريعة الإسلام ، فقال: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [48] ' فمن اتبع غير شريعة الله فليس ذا كرامة ،كما قال تعالى: ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) [49] ، بل سمى الله المشرك نجساً ، فقال: ( إنما المشركون نجس ) [50] .
فمن جعل من المسلمين شعار ( الإخاء الإنساني) هو الشعار المرفرف ، موالياً من والاه ، ومعادياً من عاداه ، فإنه قد ارتكب جرماً كبيراً في حق ربه ـ عزوجل ـ ، وتنكر لأمته وهويته، و جزى الله الشيخ: جاد الحق علي جاد الحق خيراً- شيخ الأزهر سابقاً - رحمه الله - حين قال: ( إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى ، وجناية عظمى ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم(من غير منار الأرض) [51] ، فكيف بمن يغير هوية أمة ، ويضلها عن طريق النجاة ؟ ) [52] ا.هـ. فمن فعل ذلك فإنه قد شابه الجاهلية ، والتي تحب أن تنتسب للروابط القومية أو الإقليمية، لذا فقد أزال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرؤى الجاهلية والتي كانت عند الصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - فقال يخاطبهم ( إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية ، وفخرها بالآباء ، إنما هو مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ) [53] ، قال شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله- معلقاً على هذا الحديث: ( فأضاف العُبية والفخر إلى الجاهلية ، يذمها بذلك ، وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة إلى الجاهلية ، وذلك يقتضي ذم الأمور المضافة إلى الجاهلية ) [54] ، وقال في موضع آخر: ( وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي ، أحسن من الانتساب إلى غيره ، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث .. أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس - قال: ( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، فضربت رجلاً من المشركين ' فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال:( هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري ؟ ) [55] .
قال العلامة القاري - رحمه الله -: ( وكانت فارس في ذلك الزمان كفاراً ، فكره صلى الله عليه وسلم الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون منتسباً إلى أهل الإسلام) [56] .
وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: ( ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية ، لا بروابط عصبية ، ولا بأواصر نسبية) [57] .
* تساؤل.... وجوابه
إذا اتفق على مراد هؤلاء العصريون في مبدأهم ( الإخاء الإنساني) فقد يتساءل البعض:لِم يستخدم هؤلاء هذه الفكرة محاولين أن يقنعوا الناس بها ؟
والجواب: يحسن التنبيه بأنَّه قد تكون منهم فئة وقعت شبهة في عقولهم ، أو لم يدركوا أبعاد هذه الفكرة فأطلقوها بحسن ظن ونية منهم - فربنا يغفر لهم - إلا أن الغالب على أكثرهم أنهم يلبسون الحق بالباطل ، ويتاجروا بهذه الكلمة ليروجوا باطلهم على أذهان الناس باعتبار أنها في أصلها صحيح ، ولبس الحق بالباطل ( قاسم مشترك ) بين أهل الأهواء والبدع ليروجوا باطلهم باسم الحق.
قال ابن القيم - رحمه الله - وقد كان يتحدث عن أصحاب الحيل الباطلة ( وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة ، بحسب تلك البدع .. فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق ) [58] .
وكذلك فإن مصطلح ( الإخاء الإنساني) مصطلح مجمل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً ، والعصرانيون يشتركون مع أهل البدع بأخذهم بالألفاظ المجملة والعمومية التي تسبب كثيراً من الإشكالات ، ليخلقوا الغبش والضبابية حول مفاهيمهم ، فهم لا يحبون التفصيل بل من طبعهم الإجمال في العبارات والنصوص لتبدوا رجراجة غامضة ، ولذا يوصي ابن القيم في نونيته بالابتعاد عن مثل هذا النسق، والذي مشى عليه كثير من أهل البدع ، قائلاً:
فعليك بالتفصيل والتبيين فا *** لإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا *** الأذهان والآراء كل زمان
و لينظر إلى الخوارج كيف أنهم تمسكوا بظاهر آية مجملة وهي في قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [59] ، فكفروا طائفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من شهد له بالجنة كعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه وأرضاه - بسبب أنهم أخذوا هذه الآية بمجملها و بنوا عليها باطلهم .
ولهذا فإن أفضل حل مع هذه الطوائف أن يستفصل عن مرادهم بهذه الألفاظ المجملة كلفظ (الحرية ) و (التجديد) وغيرها من الألفاظ والتي منها ( الأخوة الإنسانية ) فإن أطلقت هذه المصطلحات فليسأل صاحبها ماذا تريد بهذا المصطلح؟