فهرس الكتاب
قال ابن تيمية ( وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال ، والقيل والقال ، وقد قيل( أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء) [60] .
هذا مع أن الأفضل في اعتقادي - والله أعلم - في مصطلح (الأخوة الإنسانية) تجنبه مطلقاً ، وعدم النطق به، ولو لم يكن من ذلك إلا عدم الوقوع في مشابهة الكفارمن الأنظمة الماسونية وغيرها لكفى ، وهذا من أعظم مقاصد القرآن فإنه يحث على تجنب مشابهة الكفار حتى في ألفاظهم والنهي عن النطق بها ، ولو كان ظاهرها صواباً ، لأن أهل الكفر والفساد يقصدون منها معان باطلة ، وتأويلات مغايرة لحقائق الوحيين ، فلفظة ( راعنا) عند اليهود كانوا يقولونها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون منها معنىً قبيحاً ، فنهى الله المؤمنين عن قولها والتلفظ بها لئلا يتشبه المسلمون بالكفار ، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) [61] ، قال قتادة وغيره ( كانت اليهود تقوله استهزاءً ، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم ) [62] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله معلقاً - ( فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها ، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار ، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم ) [63] .
* وفي ختام المقال:
فإني أوصي من كان على هذا المنهج العصراني أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يستشعروا ( أمانة الكلمة ) وأن العبد ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [64] وليت هؤلاء العصريون وكما أنهم يحاولون استرضاء الكفار بالربط بينهم وبين المسلمين بحلقة التآخي؛ ليتهم يوجهوا أنظارهم إلى إخوانهم المسلمين ، ويحلوا مشكلات التفرق والخصومة بينهم بمنهج السلف الصالح ، ويوثقوا بينهم وشيجة الإخاء ، وآصرة الولاء ، ورابطة التجمع على: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
إلاَّ أن العكس هو الواقع فالمتابع لحركة أصحاب المدرسة العصرية في التأليف والندوات التي يقيمونها يلحظ أن أكثر سهامهم موجهة تجاه المنهج السلفي ، ولمزه تارة بـ (التنطع ) و ( التشدد) أو أن أصحابه (جامدون - نصوصيون - حرفيون - كهفيون..) [65] إلى غير ذلك من الألفاظ ، وبالمقابل يسعون لإرضاء الكفار ومداهنتهم والتقارب معهم ، مع أن الكفار لم يأبهوا بكلامهم ولا رضوا عن فعالهم ، ويصدق فيهم قول الشاعر:
باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت *** عنه ولا أرضى عنه العدا
فمن يقارن حال هؤلاء العصريين مع الكفار ومع من تمسك بالسنة الغراء، فسيجد ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين.
وقد أحسن الدكتور: عدنان النحوي ، حين صوَّر حال هؤلاء قائلاً: ( وأصبح من المسلمين من يأنس للتحالف مع أعداء الله ، ويأنف من التعاون مع المسلم ، ودوى شعار( تقارب الأديان) وغاب شعار ( المسلم أخو المسلم ) [66] .
ولا يعني ذلك أن لا يدعو المسلم الكفار لدين الله - عز وجل - وتحبيبهم إليه ، وتبليغهم رسالة الله ، ومحبة الخير لهم ، والعدل معهم ، وعدم ظلمهم ، وهذا مع الكفار المحاربين ، فما البال بغير المحارب منهم فإن الله أمرنا بالبر معهم والإقساط إليهم ، وإعطائهم حقوقهم ، وعدم الغدر بهم، بقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) [67] .
ذلك هو منهج الإسلام في معاملة الكفار ، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا إرخاء ، فهو دين وسط ، كما أننا أمة الوسط ، ونعامل جميع الخلق - مسلمهم وكافرهم - بهذه الوسطية الحقة التي أمرنا الله - عز وجل - بها قائلاً: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) [68] .
وإنَّ أعظم ما يمزق الصف الإسلامي من داخله ، ويشرخ في وحدته ، حين يتكلم من رأى أمة الإسلام في ركب المتخلفين ، وذيل الأمم ، فأصبح يلفق بين الإسلام وبين ما يسمى بـ (الحضارة الغربية ) ويقدم للعالم أجمع إسلاماً (مقصَّصَاً) قد تخلى بنزعة غربية ، ولهجة استرضائية للغرب الكافر، بسبب ضغط الواقع ، معبرين عنه بالإسلام المستنير!!
تلك ثقافة الضرار، ومنهجية التلبيس التي صيرت عالمنا الإسلامي المتزلف الأول للكفار، والتي أرى أن يجند دعاة الإسلام وعلمائه للرد عليها ، وكشف شبهها ، علَّ الله أن يهدي أصحابها ومن تأثر بفكرهم ويردهم إلى سواء السبيل .
ورحم الله علماءنا حين قالوا: ( رحم الله امرءاً عرف زمانه فاستقامت طريقته ) .
فهل من مستمسك بالإسلام والسنة في القرن الخامس عشر، مفارقاً كل شر وبدعة؟!!
أسأله تعالى أن نكون منهم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
ملاحظة: هذه الدراسة نشرت في موقع المسلم.