فعندما كان يتحدث خالد بكداش عن الحرية والديمقراطية كان يتحدث كما يقول مجيد خدوري بأسلوب يغري كثيرين من الشباب بالانضمام إلى الحزب سعياً وراء هذين المبدأين ، ولشد ما تكون دهشتهم حين يكتشفون أن ليس للحرية ولا للديمقراطية وجود تحت قيادة بكداش. وذلك لأنه كان فضاً مستبداً مما حمل كثيرين على ترك الحزب...، وكان الحزب الوطني الديمقراطي في العراق يتمسك في برنامجه المنشور بالديمقراطية وحرية الفكر وإفساح المجال للتبشير بمختلف المبادئ والمذاهب السياسية ، ولكن أحد أعضائه المتمسكين بالبرنامج طلب إخراج كل من يبشر بالمذهب الماركسي من الحزب .
والأمثلة كثيرة على تضليل البرامج الحزبية المنشورة للناس وبعدها عن الواقع والتطبيق، ولو أن أقل القليل مما وعدت به برامج الأحزاب قد حققته هذه الأحزاب وهي في مواقع السلطة لما احتاج الدعاة اليوم للمطالبة بأي إصلاح للأحوال!! ألم تصل الكثير من الأحزاب الديمقراطية الشعبية الخ... هذه التي دعا إلى تكوينها الرزاز وغيره إلى سدة الحكم؟ ألم يشغل مفكرو هذه الأحزاب ومنذ تلامذة الأفغاني أمثال عبده وقاسم أمين ولطفي السيد وسعد زغلول وبعدهم طه حسين وكثير غيرهم حتى يومنا هذا مناصب فكرية وسياسية واقتصادية وتربوية الخ... وسيطروا على ساحة الفكر والسياسة معاً؟ فهل حققوا برامجهم وشعاراتهم ووضعوها موضع التنفيذ؟ ألم يهدر هؤلاء الدعاة الحرية قبل غيرهم؟ ألم يطأوا بأقدامهم الثقيلة على صدور أفراد هذه الأمة -المبتلاة بهم- حتى لا يتنفسوا إلا بمقدار ما يسمحوا لهم به؟ مما جعل الأستاذ فتحي رضوان -رحمه الله- يصيح بعدد من المفكرين المتباكين على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد العربية، الذين اجتمعوا في ليماسول في قبرص ليتدارسوا ما آلت إليه أحوال الأمة، وبعد أن ذكرهم بملاحم التضحية والفداء التي سيطرتها أجيال سابقة من أبناء الأمة: اتهمهم بقتل الحريات وانتهاك حقوق الإنسان لأنهم عندما كانوا في مقاعد السلطة نسوا وتناسوا حقوق الإنسان لمعارضيهم وشاركوا في انتهاكه .
والآن وبعد أكثر من مائة عام على بداية الدعوة للديمقراطية وحرية الفكر على الطريقة الأوروبية وبعد أكثر من أربعين عاماً على دعوة الرزاز أعلاه، سيطر خلالها الدعاة أنفسهم على الساحة بكل ما فيها، فكرياً وسياسياً، ماذا تحقق للمواطن العربي من الديمقراطية والحرية؟ ماذا حصل من حقوق؟ ألم تهدر حقوقه بأكثر مما كان يحدث قبل الدعوات؟
الآن وبعد أكثر من مائة عام على دعوة الديمقراطية والحرية وفي عام 1989 يشهد مجلس الشعب المصري صداماً عنيفاً بين نواب الأغلبية والمعارضة تحول إلى اشتباك بالأيدي ، وفيه حاول وزير الداخلية ضرب النائب!!! من كثرة الديمقراطية والحرية الفكرية! والثقافة الحوارية !! ) .
وهم لانبهارهم لم يروا ما رآه محمد مزالي مثلاً من حقيقة الديمقراطية الأوروبية إذ قال:"في الظاهر تتمتع أمريكا والبلاد الأوربية بحريات وتعدد أحزاب وانتخابات وجرائد متصارعة مما يبدو وكأن الأمر على أحسن ما يرام ولكن إن تعمقنا بكل ذلك، حينئذ فقد ندرك أن سلطان الأغنياء ورؤوس الأموال لا يزال قوياً ومؤثراً في مجريات الأمور"ويضرب مثلاً فرنسا -الجمهورية الرابعة- حيث كل كتلة كانت تؤثر على الحكومة وتسير الانتخابات والنواب بحسب مصالحها فيتفوق المزارعون تارة والتجار طوراً والشغالون أخرى... والصحافة التي يقال عنها حرة تخضع في الغالب لمراكز قوة رأسمالية جشعة ، أو مذهبية متعصبة ، ومن المعروف أنها تمول بالإشهار الذي كثيراً ما يزدري بالأخلاق والتربية ولا يقيم وزناً للمصلحة العليا أو تعيش بالمنح الخفية"ويتساءل فيقول:"فهل أنا حر حقيقة في اختياراتي وفي مواقفي، وأنا ومنذ صغر سني ومنذ عهد الدراسة أتأثر من حيث لا أشعر بنظريات وشعارات ومعلقات وأفلام وجرائد لا تخدم دائماً مصلحة العامة ولا تقر حساباً للأخلاق ؟!
أما عن الانتخابات فهو يرى أن إعطاء كل فرد صوتاً في الانتخابات شيء جميل نظرياً ولكنه في الواقع يؤدي إلى سيطرة عديمي الكفاءة ؛ فالتصويت يستوي فيه الجاهل والمثقف الواعي .والسياسيون المتزعمون قيادة الأمة يُقدمون على كل شيء ويعدون بكل شيء يجلب أصوات ما دامت المسألة أصوات وأغلبية .ويستشهد بقول مونتسكيو: إن الديمقراطية لا تنجح إلا إذا اقترنت بالفضيلة ؛ أي أن السياسة تقتضي الأخلاق ، ولكنه يرى أن شرط اقترانها بالأخلاق والفضيلة يسقط أهميتها ، ويساويها بالحكم الفردي ؛ لأنه"مع وجود الأخلاق سيكون أي حكم سيكون جميلاً، ديمقراطياً أو غير ديمقراطياً. وتبقى للحكم الفردي في هذه الحالة الأفضلية لأنه لإصلاح الحكم الفردي، يتطلب الأمر إصلاح أخلاق فرد أما الحكم الجماعي فيتطلب الأمر إصلاح مجموعة كبيرة".
فالديمقراطية كما يراها البعض لها أنياب ومخالب وأنها أشرس من الدكتاتورية، وقد شكا الكثير من الغربيين من زيف الديمقراطية التي توجهها قوى ظاهرة وخفية لمصالح فئات معينة ، ولكن النهضويون عنها غافلون!!