فهرس الكتاب

الصفحة 16611 من 27364

وهم لانبهارهم أيضاً لم يتتبعوا نشأة هذه الحضارة وديمقراطيتها التي بدأت بالقتل وإبادة الالآف من البشر . فهناك أبحاث تقدر الضحايا من الأفارقة خلال الثلاث مائة عام الممتدة من 1600 إلى 1900 بأكثر من مائة مليون مستعبد بكل ما تحمله كلمة العبودية من معنى ، وقتيل في المعارك ومن سياط التعذيب والاختناق في أقبية السفن التي تمخر عباب المحيط الأطلسي، هذا غير استعباد أو إبادة ملايين بل عشرات الملايين من الهنود الحمر في الأمريكيتين ، وتقدر الإحصاءات أن عدد الهنود الحمر الذين أبيدوا في عصر النهضة الأوروبية هذه يفوق مائة مليون إنسان، هذا بالإضافة إلى مئات الألوف وربما ملايين الضحايا التي تكبدتها بلدان آسيا المختلفة بعد أن انطلق الوحش الأوروبي ليحرر العالم!! مضافاً إلى كل ذلك إبادة سكان أستراليا والكثير من جزر المحيط الهندي. كل هؤلاء قتلوا أو استعبدوا باسم نشر الحرية والديمقراطية وإخراجهم من الهمجية!!

فهل أخذ النهضويون الذين أرادوا لنهضة الأمة العربية أن تكون مثل نهضة أوروبا وأن تكون ديمقراطيتها مثل ديمقراطية أوروبا كل هذا بنظر الاعتبار على أنه جزء من هذه الحضارة وقيمتها وأهدافها وتوجهاتها؟ وهؤلاء الذين يرون عصر النهضة الأوروبية هو العصر الذي انتقل فيه الأوروبي من العبودية إلى المواطنية! كيف نظروا إلى عبودية هذه الملايين وخاصة منها عبودية أمتهم العربية واستعمارها؟!! وكيف برروها ؟

إنهم لانبهارهم لم يروا من الديمقراطية الأوروبية إلا ما أراد لهم الأوروبيون رؤيته. فهم رأوا من الثورة الفرنسية -مثلاً- شعاراتها فقط: الحرية والإخاء والمساواة، ولكنهم لم يروا ما كانت تخفي هذه الشعارات وراءها من وحشية وسفك للدماء جعل الفرنسيين أنفسهم وبعد مائتي عام يشعرون بالخجل مما حدث فيها من مآس وسفك لدماء الأبرياء، فقد حرر الثوار سبعة مساجين من الباستيل بكل تلك الضجة التي أثاروها حوله ولكنهم قتلوا (25) خمسة وعشرين ألفاً من عامة الناس، لا يزيد عدد النبلاء ورجال الكنيسة منهم عن (10%) عشرة في المئة !! وسحق الثوار الأحرار، مؤسسو الحرية والديمقراطية! المعارضة للثورة بعد ذلك وفي كل مكان من فرنسا بوحشية لا يمكن وصفها، يدل عليها ما كتبه أحد ضباط الجيش الجمهوري عام 1793 إلى رؤسائه يشرح لهم كيف عامل الثوار المعارضين في فائدتين فقال: إنه سحق الأطفال تحت حوافر جواده وقتل النسوة حتى لا ينجبن مزيداً من المنشقين المعارضين ، وإنه لم يأخذ سجناء، بل محا كل شيء، وقد قُتل من رجال الكنيسة في تلك الحوادث وفي تلك المنطقة بالذات مالا يقل عن ألفي رجل ، وقتل قبلها في باريس وحدها 191 رجل في سجن كارمي عام 1792 .

ومما ينسب إلى نابليون قوله"إن أي رجل يفكر هو عدوي".

إنهم لانبهارهم لم يروا اللأخلاقية التي هي جزء من الديمقراطية الأوروبية التي تعتمد مبدأ ( الغاية تبرر الوسيلة ) فتستخدم الأحزاب كل الوسائل من أجل إيصال أفرادها إلى السلطة للقفز عليها، بغض النظر عن شرعية هذه الوسائل أو انسجامها مع المفهوم العام السائد للأخلاق حتى في مجتمعاتهم، فالنفاق وتزوير المشاعر وكيل الوعود -بالأطنان- لهذا ، وكيل الاتهامات والشتائم -وبالأطنان أيضاً- لذاك ؛ هي من مستلزمات الحملات الانتخابية، والتي تسيّر الأحزاب فيها أفرادها - من أجل تحقيق الانتصارات على الحزب الخصم-كالأغنام، بغض النظر عن آرائهم ومشاعرهم ، فكل عضو يستفيد عليه أن يفيد الحزب ، فايزنهاور مثلاً الذي أوصله الحزب بقدرة قادر إلى رئاسة الجمهورية وقبلها إلى رئاسة جامعة كولمبيا، وهو الجنرال العسكري!! عليه أن يدفع الثمن بمساعدة أعضاء آخرين للوصول إلى مواقع السلطة مستغلاً مركزه كرئيس دولة، من أجل استمرار حزبه في الحكم!! فهو كان يقوم بمهام منصبه مكرهاً كما يقول سالزبرجر الذي كان يرافقه أحياناً ، وكان يلعن اليوم الذي سيسافر فيه... لتزكية أعضاء حزبه في انتخابات الكونجرس، وعدما حضر لتسلم جائزة فورستال هتف بسالزبرجر قائلاً بحنق:والآن ما هي هذه الجائزة ؟بحق الجحيم إنهم لم يبلغوني بها ولا أعرف عنها شيئاً...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت