فهرس الكتاب

الصفحة 16612 من 27364

وتصارع الأحزاب -والأفراد- على السلطة أبعد ما يكون عن كونه تصارعاً شريفاً ؛ حيث يسرف أحدهما في اتهام الآخر بشتى التهم ولا يهم إن كانت بالحق أو بالباطل ما دام ذلك يمكن أن يقرب أحدهما خطوة نحو الفوز في الانتخابات!! فالجمهوريون في فرنسا خلال القرن الماضي كانوا يتهمون الملكيين فيما يتهمونهم بالاعتداء على حريات الشعوب الأخرى،مما جعل العرب يستبشرون ويتوقعون الخير منهم ، ولكن ما إن تسلطوا على الحكم في فرنسا حتى ازدادوا خنقاً لحريات هذه الشعوب وصاروا يتفاخرون بكونهم استطاعوا أن يخضعوا لحكم فرنسا من الشعوب الأخرى ما لم يستطع الملكيون مجاراتهم فيه !! ولذلك أظهر الطهطاوي وغيره خيبة الأمل فيهم وإن كانوا لم يغيروا موقفهم المؤيد لهؤلاء الأحرار وحماة الحرية!! وما حدث للطهطاوي في فرنسا حدث للأفغاني مع الحزب الحر في الحكومة البريطانية، إذ نادى الأفغاني مع المنادين بالإشادة بهذا الحزب -حزب الأحرار- الذي كان يدّعي أن كل الحروب الاستعمارية والتعديات على حقوق الإنسان كأفراد وكشعوب هو من أعمال المحافظين ، ولكن ما إن وصلوا إلى السلطة حتى أكدوا كل ما فعله المحافظون من انتهاكات للحريات في الهند وإيرلنده وغيرها ! وزادوا على ذلك مستمرين في ذات السياسة الاستعمارية ، وشنوا حربهم على مصر واحتلوها، وكأن معارضتهم كما قال الأفغاني للحكومة السابقة"والمحاماة عن الحق آلة للوصول إلى باطلهم، أو عموا عن معرفته بعدما استقروا على منصة الحكم واستبدوا بالأمر".

فنجد المرشح على هذا الحزب يكيل الاتهامات للمرشح عن ذاك الحزب الآخر المنافس والتي أقلها الاتهام بالكذب والخداع والنفاق وقلة الخبرة وقلة المعرفة الخ... والتي أي منها عند ذوي النظر لا تسقط هذا المرشح وتجعله غير مؤهل لتولي مسؤولية الأمة ، وإنما تسقط الاثنين معاً، أحدهما لقلة الكفاءة والآخر للاستهتار والسفاهة بالتشهير بالآخرين لتحقيق مكاسب خاصة!!

ولكن في انتخابات الحضارة الغربية فإن من يعلو صوته بالشتيمة والاتهام أكثر من الآخر يكون احتمال فوزه أكبر ! كما حدث في مناظرة بين الرئيس الأمريكي فورد والرئيس كارتر التي نقلها التلفزيون آنذاك ، والتي فيها علا صوت كارتر بالاستهزاء وتعمد الإهانة لا لشيء في الغالب إلا لإثارة البهجة بين المستمعين وكسب أصواتهم!! وهذا مثل من أمثال كثيرة لا يمكن حصرها ولا تخلو منها مناظرات المرشحين، حتى إن هرزبرك رئيس دولة المحتل الإسرائيلي أذاع بياناً أذاعة راديو العدو في 13/10/1988 شجب فيه ما حدث خلال الانتخابات آنذاك من أعمال العنف الجسدية والكلامية ورجا أن تقتصر الحملة الانتخابية على الحوار من غير الشتم والتشهير.

وقد كان ديغول لا يهمه كيف يصل إلى الحكم، المهم أن يصل لينقذ فرنسا كما يقول! إذ يذكر سيروس سالزبرجر في كتابه (آخر العمالقة) أن ديغول عبر له عام 1956 عن يأسه من إصلاح النظام والدستور في فرنسا وأنه ذكر له أن المرء يحتاج إلى دراما أولاً ... ليس حرباً بالضرورة ، فقد يكون الجواب في ثورة أو نوع من الشغب والإضراب، ولما سأله سالزبرجر إن كان يعتقد أن من الضروري حدوث فترة من الفوضى في فرنسا وقد تكون مصحوبة بسفك دماء قبل أن يتمكن من العودة ؟ أجاب ديغول:"نعم لابد أن يحدث بعض الفوضى أولاً... وإن كان هناك قليل من الدماء وإن كان هذا أمر مؤسف ولكن ما العمل! وأكد سالزبرجر أن ديغول عمل بكل جهده على تحطيم الجمهورية الرابعة وفرض شخصيته... ولوى عنان فرنسا طبقاً لإرادة لا تقهر، وإن كان شغوفاً بفرنسا، إلا أنه كان يزدري الفرنسيين ويكره دساتيرهم وأحزابهم السياسية والتدخل المتكرر لجيشهم في السياسة ، وقد كان متآمراً موهوباً مستعداً لتولي السلطة بوسائل غير مشروعة، وكان يزدري الديمقراطية الفرنسية وأحزابها وقد قال:"إن في فرنسا خمسة أحزاب، الشيوعين والاشتراكيين والراديكاليين والمعتدلين والجمهوريين الشعبيين، أما الشيوعيون فقال إنهم ليسوا حزباً فرنسياً ومن المستحيل تصور إمكان اتخاذ سياسة فرنسية بالاعتماد على الحزب الشيوعي .وأما سائر الجماعات الحزبية الأربع فهي تحارب بعضها وليس من بينها من يحظى بتأييد قطاع هام من الشعب ولا يمكن الاعتماد على هذه الأحزاب لأنه ليس في وسعها الاتفاق على سياسة واحدة..."وقال أيضاً:"إنه لا توجد حكومة في فرنسا وإنما فقط أناس يسكنون قصور الحكومة"ويرى أن المشكلة الكبيرة بالنسبة لفرنسا في أنها خلال 150 عاماً كان لها 13 دستوراً وتعرضت للاحتلال ست مرات، ولم يستطع ديغول العمل إلا بعد أن ضرب اليسار باليمين ليستعيد السلطة ثم ضرب اليمين باليسار ليبقى فيها ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت