فهرس الكتاب

الصفحة 16613 من 27364

ولم تقتصر الوسائل غير الديمقراطية أو غير المشروعة في الوصول للسلطة على الديمقراطيات الأوربية ذات الأحزاب المتعددة ، وإنما تستخدم هذه الوسائل أيضاً في الحكومات ذات الحزب الواحد ، فالصراعات على السلطة في هذه الأنظمة غالباً ما تتخذ سبلاً أكثر عنفاً ، وليس صراع ستالين مع تستروتسكي ببعيد عن الأذهان ، وبعد موت ستالين كان الصراع بين مولوتوف وخروشوف على الحكم، إذا أيد ثلثا أعضاء اللجنة المركزية موتولوف وبناءً عليه أعد مولوتوف نفسه لسكرتارية الحزب ورياسة الوزراء، وأعد قائمة بالوزراء ولكن خروشوف بالتعاون مع زوكوف، وزير الدفاع الذي وضع طائرة تحت تصرف خروشوف ليتمكن من نقل أنصاره من أجهزة الريف إلى مقر الاجتماع... غير الموقف لصالحه ، مما قلب الحال!

وقد انتقل هذا المفهوم للديمقراطية بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة عبر المفكرين إلى الأحزاب في البلاد العربية، فلا يهم الحزب من أجل جمع المؤيدين حوله والوصول إلى السلطة ما يشيع عن المنافسين له من الإشاعات الباطلة ولا ما يكيل من الوعود بالجنة الموعودة، إن هو وصل إلى الحكم! ليصل بعد ذلك بالانتخابات أو بالثورة وتتبخر الوعود ولا يبقى غير الحقد على المنافسين وملاحقتهم وتصفيتهم، وحتى هذه الملاحقة والتصفيات ليست إبداعاً خاصاً بهذه الأحزاب كما قد يعتقد البعض ، فهي إن لم تكن تقليداً لحال الدول الأوروبية المتعددة الأحزاب والتي يخف التنافس فيها حال فوز أحد الأحزاب ويبدأ التهيؤ للحملة التالية إلا أنها تقليد لحال الدول الأوروبية ذات الحزب الواحد، فكل يوم تظهر الصحف الروسية -مثلاً- فضائح جديدة للتصفيات التي قام بها ستالين لخصومه ولتصفيات من جاء بعده من الحكام لخصومهم! هذا غير ما فعله تيتو وشاوسيسكو وغيرهم.

إن أكثر مفكري النهضة لم يروا الديمقراطية الأوروبية على حقيقتها ولا كما هي في الواقع وإنما دعوا إليها كما توهموها، فنشروا على الناس أوهامهم هذه عنها، فتوهموا أنها تأتي بأكفأ من في المجتمع وأحسن رجاله، مهملين القوى الخفية التي تحرك الانتخابات لإيصال رجالها بغض النظر عن كفاءتهم . والقارئ لسير معظم من أوصلتهم الانتخابات للحكم في أوروبا وأمريكا، ليعجب كيف وصل هؤلاء وبلادهم فيها الكثير ممن هم أكثر كفاءة، فكيف وصل ونستون تشرشل إلى حكم بلاده وهو الطالب الفاشل الذي لم يستطع أن ينهي أية مدرسة أو يحصل على أية شهادة أو حتى يدخل الكلية العسكرية إلا بواسطة والدته التي كانت على علاقة بأكبر المسؤولين في الدولة من جهة ! وبكون أسرته تتوارث لقب لورد من جهة أخرى! والذي قضى خدمته في الجيش في الخطوط الخلفية للمعارك، يكتب للصحف مقالات عنها مقابل أجور محددة لكل مقالة! مخالفاً بذلك شروط وظيفته التي تمنع ذلك.

وبقدرة قادر تولى قيادة بريطانيا وهي في عز مجدها ولم يتركها إلا وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة !

وتوهموا أن الديمقراطية الأوروبية تمنع استبداد الحكام لأنها لا تسمح للوصل إلى السلطة إلا من تشرب السلوك الديمقراطي، بينما يؤكد سالزبرجر على أن ديغول كان يحكم بأسلوب أوتوقراطي إلا أنه مستبد عادل وأنه لا يؤمن بالديمقراطية ويرى أن نظام الحزبين على النمط البريطاني أو الأمريكي متعذر إقامته في فرنسا ، وهو مقتنع بحاجة فرنسا إلى حكم قوي لأن صغار الرجال في نظره لا يستطيعون معالجة عظائم الأحداث، ولذلك كان معجباً بستالين ويقول إنه كان علماً ضخماً، قيصراً حقيقياً، كان يسيطر على كل شيء بنفسه... إنه كان رجلاً عظيم ، ويؤكد البعض أن أديناور رئيس دولة ألمانيا الغربية مثل ديجول لا يسمح لأحد باتخاذ قرارات سياسية أساسية غيره -لا البرلمان ولا الوزارة- وهو مثل ديجول يستخدم أساليب تصفية ولم يقتصر تسلط أديناور على فترة حكمه بل هو بعد خروجه من السلطة قال لمن سأله كيف سيقضي فترة تقاعده:"إنه يريد أن يستخدم سلطانه لضمان بقاء السياسة التي يرغب فيها"وذلك بوصفه من شيوخ السياسة وأئمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت