فهرس الكتاب

الصفحة 16614 من 27364

ولم يكن هو وحده الذي فرض سلطته على الحكم حتى بعد تقاعده ، وإنما ونستون تشرشل عمل ذات الشيء إذ عينت له الخارجية البريطانية شاباً اسمه أنطوني براون يعرض عليه البرقيات ويشرح له المواقف بصفة عامة حتى يستطيع أن يفهم الأسباب التي تتذرع بها الحكومة في قراراتها حتى لا يعترض تشرشل على سياسة لا يفهمها فيلقي في ذلك خطاباً فتسقط الوزارة ، وتشرشل معروف في هذا ؛ ومن يقرأ سيرته يرى أنه دائماً يحصل على ما يريد من مجلس العموم من خلال خطبة شديدة اللهجة يلقيها فيه تؤدي إلى تراجع بعض المعارضين مما يسمح بتمرير ما يريد .ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في المسألة الفلسطينية، ففي الذكرى الرابعة لوعد بلفور حدثت مشاكل في فلسطين ناقشها البرلمان البريطاني عارض مجلس اللوردات تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين، ورغم رجاء بلفور نفسه ، إلا أنهم صوتوا ضد وعد بلفور 160 إلى 29 صوت، وعارض مجلس النواب ذلك أيضاً وطالب بإجراء انتخابات تحسم الأمر، إلا أن تشرشل -الصهيوني بحسب ما ذكر كاتب سيرته وليام مانجستر - ألقى خطاباً في البرلمان وقال فيه إن العرب حاربوا مع الحلفاء مقابل وعد بأن يخلصوهم من الحكم العثماني ، وفي ذات الوقت أعطي وعد مهم جداً لليهود بأن تعمل بريطانيا كل جهدها من أجل تأسيس دولة يهودية لهم في فلسطين، والآن بريطانيا تمتلك هذه البلاد وقد أوفت بوعدها للعرب بتأسيس دولتين: العراق والأردن مما حقق الطموحات الوطنية العربية ، والآن إن أجريت انتخابات في فلسطين فإن الأكثرية العربية سترفض السماح بالهجرة اليهودية إلى البلاد وهذا سيمنع بريطانيا من تحقيق وعدها لليهود وهذا سيضر بسمعة بريطانيا في الشرق الأوسط كله!! وطلب ترك الأمر للخبراء يحلون المشكلة من غير ديمقراطية وانتخابات !! وصفق له البرلمان الذي غيّر موقفه !! إذ قال أوستن شامبرلن -ابن شامبرلن الأب- إن تشرشل غيّر الجو في البرلمان تماماً بكلامه ، ورغم أن مجلس اللوردات رفض الاقتراح إلا أن تشرشل بدأ يضع دستوراً لفلسطين يمنع الأكثرية العربية من عرقلة الاستثمار والتمليك لليهود ، وتشرشل كما يبدو لقارئ سيرته رغم فشله في كل ما أنيط به من مناصب ومسؤوليات فهو طاغية مستبد وهو في السلطة ، وعبد ضعيف يتذلل لهذا أو ذاك ويتوسل ويوسط والدته أو زوجته! هذا غير أصدقائه ومعارفه من أجل الحصول على منصب، أي منصب في الدولة ، ولكنه يعود وبقدرة قوة لا يعرف كنهها إلى سلطة أكبر ويصور فشله السابق وكأنه نجاح يحقق لصاحبه البطولة!!!

وقد توهم المفكرون أيضاً أن الديمقراطية هذه توفر الاستقرار وتمنع التغييرات العنيفة ؛ كالثورات ، وتجعل الحكام يعيشون آمنين مطمئنين لأنهم جاءوا إلى السلطة باختيار الشعب لهم . وهو وهم تبدده الاغتيالات المتكررة لرؤساء الجمهوريات ؛ وخاصة في أمريكا معقل الديمقراطية.وتبدده إجراءات الأمن المشددة التي تحيط بالرؤساء ؛ حتى أن آيزنهاور كان يشكو من أن من المتعذر عليه أن يحيا حياة عادية في ظل البوليس السري المخصص لحمايته وحماية أسرته وأن البوليس السري يكاد يعزله عزلاً في أي مكان يذهب إليه، وإن أخشى ما يخشاه البوليس اختطاف أحفاده ، وشكت زوجته أيضاً من متابعة البوليس السري لكل تحركاته ، والكل يذكر ما حدث في فرنسا عام 1968 من اضطرابات انتهت بإنهاء حكم ديغول الذي كان يريد دراما وثورة أو اضطرابات تأتي به إلى الحكم! فأنهت حكمه الاضطرابات والفوضى.

هذا غير الأحزاب والجمعيات المتطرفة التي تنشر الصحف بين حين وآخر أخبار اغتيالاتها للمسؤولين وتفجيراتها خاصة في إيطاليا وألمانيا وصقلية الخ... ومع ذلك فمما لا ينكر أن هذه البلاد تتمتع بكثير من الاستقرار، ولكن لا علاقة للديمقراطية بهذا الاستقرار .. فعدم حدوث الثورات والاضطرابات في الدول المتقدمة الديمقراطية سببه: أن الثورات أدت دورها في أوائل عصر النهضة الصناعية في القضاء على الإقطاع الذي كان يحتكر السلطة من جهة والأيدي العاملة التي تتطلبها الصناعة من جهة أخرى، وانتهت مهمتها حالما سيطرت عليه واحتكرت السلطة والأيدي العاملة لنفسها ، فلم يعد هناك حاجة إليها ، بل العكس، قد أصبحت الثورات والاضطرابات بعد نمو وتطور الرأسمالية الصناعية خطراً يهدد استقرار رأس المال ويعطل الصناعات، فأبطلوها -الثورة- وشغلوا الأمة بالحاجة ، وربطوا الإنسان بعجلة الصناعة تستبعده وتقوده أنى شاءت، فوقت الإنسان وجهده ومردودها -الأجر- في قبضتها ،لم تدع له الفرصة للبطر والخوض فيما لا يعود عليه بالفائدة، وبالضمان الاجتماعي جعلت جوعه لا يشتد إلى الدرجة التي تدفعه إلى الثورة والانغماس بالسياسة ، وبذلك صارت لعبة السياسة باسم الديمقراطية تمثيلية تقوم بإخراجها مراكز القوى الرأسمالية -التي هي نفسها كانت تخرج الثورات- ويمثل الأدوار فيها مجموعة من الساسة الذين يتم اختيارهم بعناية لهذه الأدوار، واقتصر دور الجمهور على المشاهدة والمشاركة إن رغب بالتصفيق فقط لهذا أو ذاك من الممثلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت