وما يحدث في اليابان ما هو إلا مثل من الأمثلة على كون الديمقراطية لعبة تلعبها مراكز القوى لا غير، فقد ذكرت الإيكونومست أن حزب الأحرار الديمقراطي الحاكم في اليابان أنفق بليون ونصف البليون دولار أمريكي (210 بليون ين) في الحملة الانتخابية ليبقى في الحكم في الانتخابات التي جرت في 18 شباط عام 1990 (مقابل 400 مليون دولار!! أنفقها جميع المرشحون في أمريكا لانتخابات الرئاسة لعام 1988 إذ احتاج كل مرشح من اليابان وهم 323 مرشح إلى أربعة ملايين ونصف المليون دولار أمريكي(650 مليون ين) أما المرشحون الشباب الجدد فيحتاج كل مرشح ضعف هذا المبلغ ، ولذلك كانت أكثر المقاعد وراثية يرثها الأبناء والأحفاد، ولا تصرف هذه المبالغ على النشرات والدعاية التلفزيونية وغيرها لأن هذا محذور، ولكنها تنفق على تأجير القاعات للاجتماعات وعلى الطعام وعلى استخدام مختصين للمساعدة على جلب الأصوات وعلى إعطاء الناخبين هدايا مختلفة تتراوح من مبالغ صغيرة لأجل المناسبات الرسمية إلى جميع نفقات الدراسة في المدارس الخاصة الخ، حتى قيل إن كل صوت في الانتخابات عام 1980 كلف ثلاجة، ولابد أنه كلف أكثر في انتخابات 1990، أما جمع هذه المبالغ فله أيضاً طرق مختلفة منها، وعود الحزب للشركات الكبيرة بخفض الضرائب على الكماليات أو بإعفائها من بعض الضرائب أو بابتزازها بالاختيار بين دفع مبالغ كبيرة للحزب والإفادة من سياسته في السوق الحرة أو المجازفة بوصول حكم اشتراكي يضر بمصالحها، ومع ذلك فإن الحسابات الرسمية للحزب لا تستطيع أن تقدم وثائق رسمية بمصدر كل هذه الأموال ولا بأوجه إنفاقها، بينما الأموال المتوفرة للحزب المعارض لا تتعدى واحداً بالمئة مما ينفقه حزب الأحرار الديمقراطي الحاكم، ولهذا كثيراً ما دفع حزب الأحرار الحاكم من ماله الخاص للمعارضة ليبقي على المنافسة وليحافظ على الشكل الديمقراطي في البلاد !!، ولذلك قال رسل: إن من مزايا الديمقراطية: أنها تسهل مهمة خداع المواطنين العاديين ؛ لأن هؤلاء يعتبرون الحكومة القائمة حكومتهم .
فالديمقراطية الأوربية لم تمنع كما توهم مفكرو النهضة الاستغلال والفساد بأشكاله المختلفة وعلى رأسها الرشاوي التي تطلع الصحف علينا بأخبارها كل يوم في كل مكان من الدول الصناعية المتقدمة والديمقراطية! لتلوث أكبر الرؤوس فيها، ولم تمنع إهدار الحريات إن كانت تهدد المصالح الحقيقية لمراكز القوى الرأسمالية ، حتى إن الدول العربية التي تتهم بهدر حقوق الإنسان وكرامته متهمة باستيراد هذه التقنيات من الدول الأوروبية وخاصة دول الكتلة الشرقية (سابقاً) وذات الحزب الواحد التي طورت فنون وأدوات تعذيب الناس أكثر مما طورت وسائل عيشهم وراحتهم !
وأمر ديمقراطية وحرية هذه الدول الأوروبية يمكن معرفته من خلال ما تنشره صحفها عن الحكام السابقين فيها، ولم تنج الدول الديمقراطية العريقة مثل أمريكا وسويسرا وفرنسا وألمانيا من نقد منظمة العفو الدولية لها لما يهدر من حقوق الإنسان في ربوعها حيث يجري التدخل في سلك القضاء وتتغيب المرافعات الحرة بسبب الرشاوي، ويجري التجسس على المواطنين وتساء معاملة السجناء الخ ، إن أهم ما غفل عنه مفكرو النهضة الأوائل منهم والأواخر أو تغافلوا عنه، هو كيف دخلت هذه البدعة الأوروبية التي اسمها الديمقراطية إلى المجتمعات العربية؟ وماذا كان ولا يزال الهدف منها ؟.
( خلاصة القول: إن الدول الأوروبية استهدفت من إدخال مفهوم الديمقراطية الأوربية بما فيها من تأليف الأحزاب ووضع دساتير للبلاد على النسق الأوروبي كأحد مستلزمات هذه الديمقراطية، إلى المجتمعات العربية عدة أمور ؛ منها: