1-إحداث فجوة بين الحاكم والمحكوم ، وإشاعة جو من عدم الثقة بينهما ؛ وذلك من خلال استعداء الشعب على الحاكم باعتباره مستبداً يهدر حقوقهم وحرياتهم، فإن استجاب وسمح بالأحزاب والانتخابات، فإنهم يحولون المجلس النيابي إلى منبر للتهجم على الحكومة بالحق وبالباطل، وأيضاً يتهمون هذه الانتخابات بالتزييف والتحريف ، فيحل الحاكم المجلس! ، فتبدأ من جديد المطالبة بالمجالس والانتخابات ..وهكذا، فيحس الحاكم أنه هو المقصود بكل هذه المعارضة ، وأن الدستور والمجالس ما هي إلا حجة لإضعاف مركزه أو إسقاطه ؛ فتنطلق فيه غريزة الدفاع عن النفس، وهي غريزة طبيعية في البشر، والحاكم بشر وليس من الملائكة! فيبدأ باضطهاد المناوئين هؤلاء ..وهكذا حتى يتم إسقاطه. وهذا ما حدث للسلطان عبدالحميد وللخديوي إسماعيل، وللكثيرين غيرهما من الحكام حتى يومنا هذا. وما حدث لشاه إيران محمد رضا بهلوي ورئيس الفلبين ماركوس إلا مثلين قريبين على استخدام هذا السلاح في وجه من يخرج عن طاعة السادة أصحاب الحضارة والمعاصرة!! فقد حكم الشاه أربعين عاماً كانت الديمقراطية فيها بألف خير وحقوق الإنسان على أفضل ما يكون!! ولكنه ما أن انتهى دوره لسبب أو لآخر حتى شُهر في وجهه سلاح الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فسقط! وكذلك ماركوس، حكم عشرين عاماً كان خلالها حاكماً ديمقراطياً وتحررياً جداً ويستحق الدعم والمساندة!!! - حسب زعمهم - وفجأة أصبح عدو الديمقراطية مزوراً للانتخابات !!وضع بطائرة أجنبية بالحيلة وجيء بالبديل الديمقراطي المهيأ بالدولة الأجنبية ذاتها وبطائرة أجنبية أخرى!!
وهكذا استخدمت، ولا تزال تستخدم، الحرية والديمقراطية لإحداث الفجوة بين الحاكم والمحكوم، هذه الفجوة التي تجعل الاثنين فريسة سهلة للاستعمار يقضي منها مآربه كيفما يشاء،ولن يستطيع أي منهما اتخاذ موقف صلب إزاءه .
وما قصة عرابي وثورته إلا مثل واضح على ذلك، فقد هيأ لها فكرياً الأفغاني ومن ورائه الماسونية، وما أن غادر الأفغاني حتى تسلمها بلنت رجل المخابرات البريطانية، الذي حرض عليها وشجع عرابي على تأليف الحزب الوطني الذي كتب هو وعبده برنامجه وأخذ موافقة الخارجية البريطانية عليه ونشره في الجرائد البريطانية قبل نشره في مصر!! وعندما قامت الثورة ووجد توفيق نفسه في موقف حرج وذلك لأن عرابي وصحبه ما كانوا يخفون رغبتهم بجعل النظام جمهورياً، فقد كتب عرابي إلى بلنت يقول له: إن خلع إسماعيل أزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن قد فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها، وكنا عندئذ أعلنا الجمهورية .
وكان البارودي، أحد قادة الثورة يقول: كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا ، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة، لأنهم متأخرين عن زمنهم ( ! ) ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت .
فماذا يفعل توفيق لإنقاذ نفسه وهو يرى عرابي وصحبه يسيطرون على الموقف؟ لجأ إلى الأسطول الإنكليزي وتشبث باليد الإنكليزية الممدودة إليه مدعية إنقاذه من الغرق في الطوفان الذي أعدته وشاركت في إحداثه!! وهكذا كانت الديمقراطية الأوروبية تحقق أهدافها !
وما حدث للسلطان عبدالحميد لا يختلف كثيراً عن هذا. إذ تحالفت مجموعة حزب الاتحاد والترقي -الذي هو أساساً نبتة أوروبية نبتت في فرنسا وبريطانيا- مع كل أعداء الدولة العثمانية في الداخل والخارج وعلى رأسها الماسونية والصهيونية، وأسقطوا السلطان عبدالحميد مستخدمين ذات السلاح الزائف البريق ( الديمقراطية ) ، التي يفتقر إليها حكم عبدالحميد ويتصفون هم بها! وحريتهم وديمقراطيتهم هذه كانت وراء كل الاستبداد الذي لاقته الأمة العربية من الدولة العثمانية ، وكانت الوباء الذي قضى على الدولة العثمانية نفسها، فهذه المجموعة هي التي أدخلت للدولة العثمانية: الملكية الكبيرة، أو شبه الإقطاعية- وهي التي أسهمت في تدمير الاقتصاد المستقل، وفتحت الأبواب للتغلغل الغربي اقتصادياً وثقافياً وسياسي . وهي التي سنت القوانين والأنظمة التي تكرس العنصرية وتعمل على سيادة العنصر التركي في الإمبراطورية ؛ مما أثار حفيظة بقية القوميات فيها وأدى بالتالي إلى القضاء على الدولة العثمانية.