فهرس الكتاب

الصفحة 16626 من 27364

1-الحزبية ؛ سواء التعددية أو الحزب الواحد، فالديمقراطية كفكرة تقوم على انتخاب الحكام والممثلين عن الشعب ليشارك هذا الأخير بواسطتهم في اتخاذ القرارات، مثل طبخة شهية ومغذية وغنية بكل ما يفيد الإنسان والمجتمع ككل، ولكن ومع الأسف، فإن اعتبار الحزبية والتعددية إحدى مقوماتها يصيبها بالعفن والفساد وتصبح سما قاتلا لحكم الشعب. وأسباب هذا العفن والفساد عديدة، منها ما قيل في صفحات سابقة عن الحكم الدكتاتوري الذي يجعل الفرد يفقد حريته ويجعله آلة تطيع القوانين وتتبع الأنظمة ، ويحوله من قوة فعالة مبدعة إلى قوة مسيرة تخضع لما يكتب لها، هو عين ما يحدث للمنتمين للأحزاب المختلفة الذين عليهم طاعة القوانين والأنظمة التي يضعها قادة الحزب ومفكروه، والفرق الوحيد بين الاثنين هو أنه بدلاً من أن يكون الفرد تابعاً للهيئة الحاكمة يصبح تابعاً للهيئة الحزبية ويعمل بأمرها، وهذا أسوأ بكثير من حال الأول ؛ لأن الحالة الأولى قد تؤدي إلى تماسك الشعب وسيادة القوانين أما في الحالة الحزبية فتسود الفوضى والاستهانة بالقوانين والأنظمة، ومن أسباب هذا العفن أيضاً أن الحزب عادة يدعم مرشحه، بالحق أو بالباطل، ويلمع صورته ويوفر له من الدعم المادي والمعنوي ما لا يمكن أن يتوفر للمرشح المنافس، المستقل أو المنتمي لحزب آخر لا تتوفر له الإمكانات المادية والمعنوية التي للأول،ويحرم بالتالي الأمة من الإفادة من أفضل عناصرها، فالحزبية هنا قتلت الديمقراطية وجعلتها حكم الأقوى وليس حكم الشعب.

وبما أن بعض الأحزاب تعتمد فكراً أجنبياً في تحديد أهدافها ووسائل تحقيقها فالضرر سيكون أكبر ؛لأن حكم الشعب سيصبح ليس فقط حكم الأقوى بل حكم التبعية للأجانب وسيطرتهم. هذا غير ما تتلقاه بعض الأحزاب من دعم مادي ومعنوي من الأجانب مما يزيد الأمر سوءا والأجانب سيطرة.!!

ثم إن الحزب الحاكم حتى يمثل الشعب حقيقة يجب أن يضم القسم الأكبر من البالغين من أبناء الشعب الذي يمثله، وهذا لم ينطبق على أي حزب في العالم، فالأحزاب الشيوعية مثلاً، في البلاد التي حكمت فيها ،لم تكن تضم إلا جزءاً صغيراً من شعوبها وحكمت البلاد الشيوعية بالحديد والنار . وباسم الشعب! ألغت وحاربت كل ما عداها من الأفكار والتوجهات ، مع أن نسبتها إلى السكان لم تكن تتجاوز 3-5% بحسب ما كان ينشر من إحصاءات، وما يدل على صدق ذلك هو انهيار هذه الأحزاب بهذه السرعة وبجرة قلم من جوربا تشوف وأعوانه!! أما في بلادنا فالمنتمون إلى الأحزاب المختلفة لا يتعدون العشرات وليس المئات فقط!! حتى إن البعض وصفها بكونها رؤوساً بلا أجسام، ولكن ما أن يصل الحزب بطريقة أو بأخرى إلى السلطة حتى يفرض نفسه على كل من عداه ويصبح الممثل الوحيد للشعب!! وهذا ينطبق على الدول التي فيها انتخابات تدعي الديمقراطية تماماً كما ينطبق على غيرها.

هذا غير أن الحزب الذي يدعى أنه يمثل الشعب حقيقة يجب أن يتبنى قيم ذلك الشعب وطموحاته وآماله ، وهذا أيضاً لم يحدث في العالم أجمع ؛ إذ أن الأحزاب في كل البلاد فصلت لنفسها ثوباً يناسبها ويحقق مطامحها ومطامعها وحشرت الشعب فيه بالقوة، فهذه الأحزاب الليبرالية التي نراها اليوم هي أبناء وأحفاد الحركات الثورية التي على رأسها الثورة الفرنسية التي قامت على أكتاف قلة من الفرنسيين استدعت مصالحها الخاصة القضاء على كل من كان في سبيل تحقيق هذه المصالح من الطبقة الحاكمة والإقطاع ورجال الكنيسة، وارتكبت الفئة الأولى من المجازر ما يخجل منه الفرنسيون حتى اليوم ، وفرضوا بواسطة تلك المجازر التي استمرت لسنوات طويلة: أفكارهم ونظام حكمهم وكل ما يحقق مصالحهم على الأكثرية التي بعد أن أنهكتها المقاومة صمتت فاعتبر صمتها تأييداً للفئة صاحبة الثورة وصاحبة المصالح من الثورة .

وهكذا حتى اليوم، فكل حزب أو فئة حاكمة تعتبر الأكثرية الصامتة معها وتؤيدها بهذا الصمت ، ولم يخطر ببالها أن هذا الصمت قد يكون يأساً ورفضاً أبلغ من الكلام، وما حدث في أوروبا الليبرالية حدث في أمريكا وحدث أيضاً في المجموعة الاشتراكية والصين وكل مكان فرضت فيه الدساتير على الشعوب والأفكار والأحزاب أيضاً وباسم الشعب!!!

ولكن أي فئة من الشعب تمثل هذه الأحزاب؟ أهي الملايين التي دفعت حياتها ثمناً لرفضها كما حدث ولا يزال يحدث في معظم دول العالم من الثورة الفرنسية والأمريكية والإنكليزية والروسية والصينية إلى اليوم ؟! أم الملايين الصامتة التي لا تفهم هذه الأفكار والقوانين التي تفرض على الناس ولا تريدها لنفسها ولم تكن في يوم من الأيام من طموحاتها، ولما تعجز عن فعل شيء حيالها تصمت وتنسحب وتترك الساحة للاعبين يلعبون وحدهم ؛ مثل لاعبي السرك في ساحة عامة مفتوحة للمتفرجين، قد يمر البعض ولا يُلتفت إليهم ، وقد يحدث أن يقف البعض الآخر لدقائق يشارك خلالها بالتصفيق لهذا المهرج أو ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت