فهرس الكتاب

الصفحة 16627 من 27364

أما في بلادنا: فالأحزاب - العلمانية منها بشكل خاص- لم تستطع حتى أن تفصل لنفسها ثوبها الذي يناسبها ، وإنما استوردت أشكالاً شتى من الأثواب الأجنبية وحاول ويحاول كل منها أن يحشر الشعب بالترهيب أو بالترغيب في هذا الثوب المستورد. وكل منهم يباهي بثوبه المستورد ويعتبره الأفضل ويعتبر الأكثرية الصامتة هذه معه وتؤيده!!!

أما المشكلة الأهم فهي أن الحزبية في بلادنا تقوم على أفكار متضادة ومتناحرة، وكل حزب ينطلق من مبادئ ومفاهيم وأهداف معينة يريد تحقيقها في جميع مجالات الحياة ، فلو وصل حزب علماني اشتراكي إلى السلطة عن طريق الديمقراطية والحصول على الأكثرية! فلا بد أنه سيعمل على تحقيق هذه الأهداف وقلب المؤسسات القائمة، الاقتصادية والسياسية والتربوية الخ... المبنية على أسس ومفاهيم أخرى مخالفة ، ويحولها إلى مؤسسات تقوم على مفاهيمه الاشتراكية وسياسته الموجهة، وإلا كان انتهازياً وخائناً لمبادئه.

ثم بعد أربع سنوات أو خمس سنوات يحصل حزب آخر على الأكثرية ويأتي للسلطة وهو يحمل مفاهيم معاكسة تعتمد الليبرالية بما فيها من مفاهيم الحرية والتحرر واقتصاد السوق وغير ذلك من مفاهيم مخالفة لمفاهيم الأول، وهذا أيضاً لابد له من قلب هذه المؤسسات ليحقق ما ينادي به وإلا أصبح وصولياً وخائناً لمبادئه! ثم قد يأتي بعد ذلك حزب آخر ينطلق من مفاهيم تختلف، قد تعارض فكر ومفاهيم الحزبين السابقين، وعليه هو الآخر ليكون منسجماً مع مبادئه ودعوته أن يغير هذه المؤسسات لتنسجم مع ذلك.

فإن حصل هذا الذي ذكر أعلاه، وهو لابد سيحصل ما دام التأكيد على الحزبية والتعددية مستمراً، ماذا سيحدث لهذه الأمة ولهذه الأوطان وهي تتحول من النقيض إلى النقيض كل أربع أو خمس سنوات؟!! هذا إن لم تعمل المعارضة في كل مرة على إشعال نار لا تنطفئ ؛ مما يوقف العمل ويبدد الأمل!!!

2-الحملات الانتخابية هي الأخرى من سلبيات الديمقراطية. عندما يرى المرء هذه الحملات وما تهدر من الأموال والأخلاق والقيم أيضاً! لابد أن يتساءل: لماذا هذه الحملات الانتخابية التي تكلف الملايين من الأموال التي يمكن استخدامها لأغراض تخدم الشعب بدل هذه الحملات التي تغش الشعب وتنشر السطحية والتفاهة بين أبنائه؟!! خاصة وأنه من المفروض أن المرشح يمثل شريحة من الشعب يعرفها وتعرفه، يفهم مشاكلها ومطامحها ويعمل على معالجتها، وقد أثبت من خلال تعاملها الطويل معه أنه أهل للثقة وأنه يمثلها أحسن تمثيل وأنه أفضل من غيره في ذلك، وبغير هذا يصبح الأمر تمثيلية سخيفة لا معنى لها ولا علاقة لحكم الشعب بها، فلماذا مرة أخرى هذه الحملات؟

حتى أن الحملات الانتخابية في البلاد الديمقراطية تبدو للمتمعن فيها مجرد"سيرك"كبير يضم مجموعة من المهرجين يتبارون بالكلام المنمق والملفق، في الغالب، وإعطاء الوعود بالجنة الموعودة في حالة انتخابهم ، مما لا يمكن تحقيق ولو جزء يسير منها، ويكيلون الاتهامات لبعضهم البعض ويقللون من شأن بعضهم البعض مقابل إعلاء شأن الذات ووصفها بما ليس فيها من المؤهلات والحسنات ، التي كلها لا تخرج عن كونها كذباً وتلفيقاً تسقط أهلية المتبارين لتولي أية مسؤولية، هذا غير المشاهد التمثيلية التي تجعلهم يقفون أمام شاشات التلفزيون ليعرضونها على المشاهدين، فهذا المرشح المعروف عنه خيانته لزوجته وإهماله بيته وعائلته يظهر على شاشات التلفزيون وقد احتضن زوجته وأولاده، إن وجدوا، وتواجد معهم في البيت ليثبت عكس ذلك !!

وهذا المرشح المفصول عن زوجته وعلى وشك طلاقها، يظهر معها مبتسماً وقد حمل معها أكياس ما تسوقاه، ليساعدها في ترتيبه في المطبخ ، وكأن مهارته في ذلك هي من أهم مؤهلات رجل الدولة!!

وذاك المرشح المعروف عنه العنصرية واضطهاد الأقليات يظهر معهم مبتسماً يربت على رأس هذا العجوز ويقبل ذاك الطفل منهم!!

وغير ذلك الكثير من مشاهد الحملات الانتخابية المضحكة المبكية التي تثير القرف والاشمئزاز قبل أي شيء آخر، والتي كلها لا تهدف إلا إلى ابتزاز أصوات البسطاء من الناس وإشغال الناس بما لا ينفع الناس، هذا غير ما خفي من مساومات وصفقات وأعمال سرية لا تبدو للناظر المتأمل للديمقراطية والانتخابات من بعيد .

وإذا علمنا أن هذا يحدث كل ثلاث أو أربع سنوات وأن التحضير للانتخابات يبدأ قبل سنة أو حتى سنتين من موعد إجرائها ، ثم تبدأ الاحتفالات بالنصر وتقاسم المكاسب للمنتصرين وجلد الذات والبحث عن أسباب الفشل للذين فشلوا بعد الانتخابات مباشرة وتستمر لأشهر عديدة أو حتى سنة أخرى ، لابد أن يفرض التساؤل نفسه: متى يعمل هؤلاء إن هم انشغلوا وشغلوا الأعداد الكبيرة ممن حولهم لأكثر من نصف الدورة بهذا التهريج وهذه المهاترات؟!! ولماذا تفرض الأحزاب على الناس مرشحين غير معروفين لديهم ، ثم تقوم بكل هذا التلميع والتزويق لعرض بضاعتها عليهم وتعريفهم؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت