فهرس الكتاب

الصفحة 16628 من 27364

3-ثم هذا التنافس على السلطة والحكم في لعبة الديمقراطية والتناوب على السلطة والتي تجعل الجالسين على مقاعد المعارضة -أحزاباً وأفراداً- يعارضون بالحق قليلاً وبالباطل كثيراً لا لشيء إلا لإظهار عجز الحكومة القائمة وإحداث الأزمات لها، مما يضر بمصالح الشعب ويعرقل مسيرته وتحقيق أهدافه، أليس في هذا عجز في الديمقراطية يجب معالجته والتخلص منه قبل الدعوة إلى اقتباسها وتطبيقها في بلادنا؟! فالمفروض في المجلس النيابي أن يكون ليس فقط مراقباً يتصيد أفراد الحزب المعارض من أعضائه الأخطاء للحكومة لإسقاطها على أمل تولي المسؤولية مكانها ليتابع ذات سياستها ويقوم بكل الأعمال التي اعتبرها أخطاء يجب أن تسقط الحكومة لأجلها ، ليتولى الحزب الحاكم السابق موقع المعارضة ويبدأ بمعارضة الحزب الحاكم الجديد ويعارض ما كان هو يعتبره إنجازاً عندما كان هو يحكم !! وهكذا.

وإنما المفروض من المجلس أن يكون مراقباً نزيها ومرشداً وناصحاً أميناً للحكومة، فكيف يتسنى له ذلك وهو يضم من هو معني بإسقاطها ليحل محلها؟ بينما القسم الآخر من الأعضاء معني بالإبقاء على الحكومة التي هي من حزبه ، فينشغل المجلس بالخطب الرنانة والمناقشات السقيمة، هذا إن لم تصل إلى التراشق بالكلمات الجارحة أو حتى بكراسي المجلس مثلما حصل في أكثر من مجلس ليس فقط في العالم العربي بل حتى في العالم الديمقراطي .

4-ثم هناك مسألة ترشيح الفرد لنفسه وفرض نفسه على الآخرين (الشعب) مستنداً إلى قوة قد تكون حزبية أو حكومية أو قبلية الخ... أليست هي الأخرى من أمراض الديمقراطية التي كان يجب على مفكرينا معالجتها قبل الدعوة إلى اقتباس هذه الديمقراطية ؟ خاصة وإننا أمة لها تراث يغوص في أعماق التاريخ وفيه من نماذج الحكم الشيء الكثير، حتى القبلية التي نحاربها اليوم كان فيها في عصرها الذهبي الكثير من مبادئ الديمقراطية، وإن نحن عدنا إلى ديننا وتراثنا الإسلامي لوجدنا الكثير مما يمكن أن يفيدنا ويكون الأساس الذي نبني عليه في هذا المضمار، ففي مسألة ترشيح الفرد لنفسه، على سبيل المثال، نجد أن الله سبحانه وتعالى قال: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) وقال الرسو صلى الله عليه وسلم لأبي موسى وأبناء عمه الذين جاءوا الرسو صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يوليهم مما ولاه الله قال:"إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه". وعن عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي الرسول صلى الله عليه وسلم"يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة إن أعطيتها عن مسألة أوكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها...".

وفي عدم جواز طلب الولاية حكمة كبيرة لعدة أسباب منها: أن يكون لطالبها أغراض خاصة يريد تحقيقها كالجاه والعلو في الأرض، أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، إلى آخر ذلك من الأغراض الدنيوية التي تتمثل فيها الأنانية الإنسانية المنبثقة من شهواته الدنيوية ، وفي هذه الحالة يجب أن يحال بينه وبين الولاية التي توصله إلى أغراضه الأنانية هذه لما فيها من ضرر عام .فالولاية والمنصب أياً كان في الإسلام ليس ترفاً، ولا مرتبة للتباهي ولا شركاً لاستغلال الآخرين، كما أنه ليس سيفاً مسلطاً على رقاب الناس، بل هو عكس ذلك، فهو مسؤولية، المسؤول فيها مغبون وخاسر غير رابح... لأنها تعب وشقاء في الدنيا وحساب عسير في الآخرة ولذلك قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مؤكداً المسؤولية الجسيمة التي تقع على عاتق أولي الأمر:"ويل للأمراء وويل للعرفاء وويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم معلقة بالثريا يتخلخلون بين السماء والأرض"، وقال أيضاً:"من عمد على عشرة أتى يوم القيامة مغلولاً لا يفكه من غله إلا العدل". ولذلك أيضاً قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ولايته: (فوالذي نفسي بيده لو وددت أني خرجت منها كما دخلت فيه لا أجر ولا وزر) وقال عندما أصيب وطلب منه الصحابة أن يستخلف: (أتحمل أمركم حياً وميتا، لوددت أن أحظى منها الكفاف لا علي ولا لي) .

وهذا قليل من كثير مما يدل على أن المنصب العام أمانة ومسؤولية جسيمة فلا يطلبه أحد لنفسه إلا إن كان له غرض فيه، وحتى عندما يكلف به يرفض البعض هذا التكليف ، وقد قال الطرطوشي: (لولا أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه لم يرض عاقل بها ولم يعدها لبيب مرتبة) . فسيد القوم في نظره (أشقاهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت