[ موقف الأكراد والمحللين السوريين من الفيدرالية الكردية في العراق، وحيد تاجا ، موقع الاختلاف ثروة ، ( ص2 ) 20 آذار، 2004 بتصرف ]
أين المشكلة ؟
والمشكلة أن بعض القيادات الشيعية والكردية -وليست كل القيادات بدليل معارضة الزعيم الشيعي السيد مقتدى الصدر والشيخ جواد الخالصي- تروج لمخاوف بأن يعود حكم البعث وسيطرة السنة مرة أخرى، وترى بالتالي أن الحل يكمن في فيدرالية شيعية في الجنوب وأخرى كردية في الشمال يتوافر لهما الأساس القانوني (حق الإقليم في رفض تنفيذ قرارات المركز) والمعيشي (تقسيم الثروات) ، غير أن هذا يعني على الأرض انفصال كل منهما فعلياً بدولة مستقلة حتى لو لم ينص الدستور صراحة على ذلك.
وكان المراهنون على وحدة بلادنا يعولون على طرح فكرة الفيدرالية في الشمال الكردي فقط المنفصل عمليا عن العراق منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وبشروط وتصورات معينة، ولكن يبدو أن المناقشات حول الدستور العراقي، إضافة إلى تسرب أنباء عن رغبة واشنطن في انسحاب مبكر من العراق للخلاص من دوامة القتل التي تطال جنودها كل يوم، وتعاظم قوة المقاومة العراقية -كل ذلك أدى للإفصاح أكثر عن نوايا الانفصال، ليس فقط بالأرض والثروة (النفط) ، ولكن أيضا الانفصال عن العالم العربي _ أي من قبل الكورد _.
وقد قاد الطرح الكردي للفدرالية إلى تحرك المجموعات العرقية والطائفية الأخرى، فأعلنت ممثلة التركمان في مجلس الحكم الانتقالي"شن كول"ان الفيدرالية يجب أن تكون على أساس إداري وليس عرقيا وطالبت بأن تكون كركوك خارج الفيدرالية الكردية لان التركمان يشكلون الأغلبية الكبيرة فيها، وان وجودهم وجود تاريخي.
[ المصدر السابق ] .
بل إن الأمر لم يتوقف على ذلك، فقد زادت دعاوى الانفصال مؤخرا، وأصبحت أكثر وضوحا وصراحة تحت شعار الفيدرالية أو الحكم الذاتي، بعدما بدأت مجموعات عرقية أخرى -بجانب الشيعة والأكراد- تطالب وسط كل هذه الأجواء بالحكم الذاتي الكامل، مثل الآشوريين العراقيين المسيحيين، وغيرهم، وأطلق كل فريق محطات تلفزيونية خاصة وفضائيات تروج للفيدرالية بطرق ودعاوى شتى وتعتبرها أمرا واقعا!
حيث طالب المؤتمر الآشوري العام (الآشوريون نصارى يتحدثون الآرامية) الذي عقد في المدة من 5 - 7 آب 2005م بفيدرالية آشورية في سهل نينوى وسائر مناطق وجود الآشوريين بدعوى أن تعدادهم قرابة مليون إلى مليون ونصف، كما دعا إلى"حق العودة للمهجرين الآشوريين إلى قراهم ومساكنهم التي تركوها، وإدراج رمز آشوري تاريخي في العلم العراقي الجديد".
أيضا دعا الفيليون (وهم أكراد شيعة ينتشرون جنوب مدينة السليمانية مرورا بكركوك ومحافظة ديالي) بالاعتراف بحقوقهم، فيما طالب"الشبك" (وهم جماعة تضم في صفوفها خليطا من قوميات عربية وكردية وتركمانية) بالحفاظ على حقوقهم في الدستور الجديد، وعدم فرض الانتماء إلى القومية العربية عليهم، أو الكردية.
وكان من الممكن، بدلا من توسيع دائرة الفيدرالية الانفصالية بهذا الشكل، استرضاء أو احتواء المطالب الكردية خاصة بعد تعيين (جلال الطالباني) رئيسا لكل البلاد، بيد أن السيد عبد العزيز الحكيم أجج مشاعر أهل السنة وغيرهم بالدعوة إلى إنشاء كيان وحكومة فيدرالية في المحافظات الوسطى والجنوبية التسع ذات الأغلبية الشيعية، ما يعني تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية هي: كيان شيعي في الوسط والجنوب، وعربي سني في الغرب، وكردي في الشمال كما سيأتي بيانه.
وفي ذلك يقول صالح المطلك العضو في مجلس الحوار الوطني معلقا على مطالبة الشيعة بإقليم فيدرالي في الجنوب:"نتمنى ألا يأتي هذا اليوم. نحن نعتقد أن العرب في العراق بسنتهم وشيعتهم هم كيان واحد؛ لذلك فإن أي محاولة لإثارة موضوع طائفي لتقسيم العراق موضوع مرفوض كليا"، فيما قال عبد الكريم هاني الناطق الرسمي باسم المؤتمر التأسيسي العراقي المعارض:"إن هذا الطرح للأسف يؤدي إلى تمزيق العراق عرقيا وطائفيا ولا يخدم مصلحة البلد إطلاقا".
[ انظر: دستور العراق يمزق العراق! ، محمد جمال عرفة ، بتصرف ، موقع اسلام اون لاين / شئون سياسية ، 29/8/2005] .
* بدايات المطالبة بالفيدرالية وإقرارها في العراق
إن أطروحة الفيدرالية في النسيج الاجتماعي العراقي أطروحة حديثة العهد، ظهرت شيئا فشيئا في فترة التسعينات من القرن المنصرم، وذلك بعد غزو دولة الكويت وانتفاضة آذار 1991، حيث تحررت منطقة شمال العراق ذات الأغلبية الكردية من قبضة السلطة المركزية في بغداد بدعم من قوات التحالف الدولية.
ففي 4/10/ 1992 اتخذ البرلمان الكردستاني قرارا بتبني النظام الفدرالي للعراق، الأمر الذي أثار جدلا واسعا من الناحية السياسية والفكرية حول الآثار المستقبلية المترتبة على العلاقات الاجتماعية للمكونات العراقية ودول الجوار.