فهرس الكتاب

الصفحة 16673 من 27364

الجانب الخامس: يجب أن يدرك الجميع نسبة التوزيع الفكري والعقدي في هذه البلاد، حيث الأغلبية الكبيرة هم أهل السنة والجماعة، وهناك ثلاث طوائف عقدية ذات نسبة ضئيلة، كما أن هناك أفراد قلائل من أصحاب التوجهات الفكرية الحديثة (ليبراليون ، بقايا القومية ، واليسار ، عصرانيون) ومن المعروف أن حقوق الأغلبية في كل مكان في الدنيا غير حقوق الأقليات، ونتاج الاستقراء الموضوعي الفاحص لاضطرابات البلدان والمشاكل الداخلية فيها يشير إلى أن الخلل يحدث عندما تهضم الأغلبية حق الأقلية، أو عندما تحاول الأقلية فرض أفكارها ومشاريعها على الأغلبية، أو تسعى في النيل من مرتكزات ومنطلقات أكثرية الناس، أو يعلو صوتها الفئوي أو الطائفي وهيمنتها الإعلامية على صوت وحضور الأغلبية.

الجانب السادس: ينبغي عدم الانزلاق في الفرح بالضغط الخارجي لتحقيق مآرب داخلية، لأن مآل ذلك الوقوع في التحكمات الخارجية، ولو على المدى البعيد، ويبرهن على استلاب وانخزال واستعارة خطيرة العاقبة.

الجانب السابع: لا يمكن بحال القبول في الحوار بمنطق"الثأر"فالثأر عادة جاهلية، وعند ما تجد أحداً (من أي اتجاه كان) يمارس الثأر فهو في حلبة صراع وليس في ميدان حوار.

فعندما تحاول امرأة ما - مثلا - ممارسة شيء ما من السلوك الشخصي (الليبرالي) في أجواء الحوار ومناخاته تحت حجّة مقاومة الكبت، فهي تمارس"الثأر"من عادة اجتماعية ذات أصل ديني.

وقل مثل ذلك في التعاطي مع الأفكار والاتجاهات.

وقد لا تستطيع النية الحسنة أن تطفي نيران (الثأر) المتأججة في الألفاظ والسلوكيات.

ومن خير الحوار وأهله أن يلغي كلية مفهوم الثأر والانتقام لمخالفته للحوار أولاً، ولقدرته الهائلة على تأجيج ثأر مقابل.

الجانب الثامن: من الخطأ العظيم الاعتقاد بأن التخفيف من صيغ التديّن والتضييق على مفاهيم الإسلام وعلومه سبيل إلى مكافحة الإرهاب المستتر بالدين.

فإن هذا المسلك غير سوي ولا ذكي.

فالغلو في الدين لن يستأصل بالتخفيف من صيغ التديّن - كما يوصي بذلك الأمريكان ومن تأثر بهم - وإنما يعالج بترسيخ حقائق الإسلام الناصعة، في التوسط والاعتدال والتسامح والرفق والعدل والأناة وحقوق الإنسان وغيرها، وسوف يخطئ من يظن أن (تخفيفاً) لما يظنه (سمنة) إسلامية في المجتمع سيؤدي إلى استقرار.

لأن هذا المسلك المفتقر (للذكاء) سينشئ الإرهاب إنشاء، ويوقد نيرانه، ويمنح أصحابه الحجة القوية لمزيد من التطرف، ومزيد من العنف والدمار والشتات، تحت ذريعة أن الحوار ودعاته ورعاته إنما تصدو للدين نفسه تشذيباً وتقليصاً من خلال تقليل حظه في الإعلام والتعليم والثقافة، فحقيقة الصراع - حسب هذا المؤدي عندهم - ليس بين فئة معينة ودولة، بل بين الإسلام والدولة، فتعظم الفتنة ويشتد الخطر من حيث أردنا أن ندرأها.

ودرءاً للمقتنصين أقول بأن هذا وصف للحال والمآل وليس تسويغاً للباطل والضلال.

الجانب التاسع: الحذر من المعالجة الانتقائية.

فإذا أريد - مثلاً - معالجة الإرهاب - ثقافياً - فلابد من النظر الشمولي لأسبابه، وعدم قصرها في اتجاه واحد كالمناهج التعليمية التي حاول بعض التيارات تحميلها إثم ما حصل.

فأين الحديث عن"الإعلام"وما ينطوي عليه من ثقافات غير سوية حيث يوجد في إعلاميات عديدة ، وبوضوح صارخ أحياناً، تلك المعطيات المتمثلة في: (الثقافة المهملة للدين، والمعادية له، أو المحذرة منه والمخوفة منه) ويوجد ـأحياناًـ (الثقافة المنحرفة باسم الدين ، فضلاً عن الحضور القوي لثقافة الضياع والتيه اللهو، وثقافة العنف غير الديني، وثقافة التبعية والهزيمة والاستلاب، وثقافة الاستغراب) .

ولا يجترئ منصف على إنكار هذه الثقافات الإعلامية وآثارها الخطيرة في إيجاد أجيال هشة، وإيجاد براهين لأهل الغلو يتذرّعون بها لتسويغ غلوهم وعنفهم، وسيجدون من يصغي إليهم في حال قبول الطرح المناوئ للمناهج والسكوت عن الحمولات الهائلة للثقافة الإعلامية المنحازة في الجملة.

ومهما كان إعداد لقاءات الحوار وأعداد المتحاورين وقوة التوصيات، وسرعة الإجراءات فإنها لا تكفي وحدها في معالجة ظاهرة العنف، بل قد تكون في حال الانحياز ضد الصيغ الدينية في المناهج -والسكوت عن الصيغ الأخرى في الإعلام- سبباً في تفاقم المشكلة، أو نشوئها في أزمنة لاحقة بشكل أخطر مما هي عليه الآن.

وأعنى بكل هذا أن الاهتمام بالمعالجة الثقافيّة يستوجب (استراتيجية ثقافية) حقل نشاطها الذهن والتفكير والتصور، بصورة شمولية يمكن معها حل مشكلة (التطرف والتطرف المضاد) في أدوارها الأولى باعتبار أن التفكير والتصور هو الأساس الذي تنبثق منه المشاعر والسلوكيات، ولنا أن نتساءل:

كيف يمكن أن نقنع شاباً بجدوى المقترحات الموجهة نحو السمة الدينية في المناهج وهم يتصورون قصوراً في شمولية أو عمق هذه السمة؟ بل كيف يمكن أن نثبت لهم جودة المقترحات وهم يرون أنها ركزت على جانب ثقافي واحد بل على جزء من هذا الجانب، وأهملت أو تغاضت عن الجوانب الثقافية (الإعلامية خصوصاً) وهي الأكثر حضوراً والأقوى جذباً والأعمق تأثيراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت