ولذا فإن كلمة السادات: (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) ، هي نفس الكلمة التي يرددها الكماليون ويقول سمث (94) : إن العلمانية تشق طريقها في العالم الإسلامي في تقدم مستمر وإن من الممكن تطبيقها بالسلاح؟ أو بالضغط السياسي، لكن من المهم أن تستند في تقدمها إلى سماح الدين بها وإباحته لها وإلا انعدم السلام والانسجام في كل من الفرد والجماعة.
ولذا فعندما حاول مصطفى كمال -وبغباء شديد- أن يوصي برئاسة الجمهورية للسفير البريطاني -لورين- أثناء تقلب كمال على فراش المرض العضال، رفضت بريطانيا بشدة حتى لا تنكشف الخطة.
وقد كنت أحتفظ بين أوراقي بصورة للصحيفة البريطانية التي نشرت هذا في الستينات، ومن المعلوم أن الدستور التركي يعطي الحق بالوصية برئاسة الجمهورية لمن شاء.
12-اضطرت الكمالية أن تسمح ببعض الشعائر لذر الرماد في العيون باحترام مشاعر المسلمين وخوفاً من أن يؤدي الكبت الشديد إلى انفجار شعبي مزلزل، يعصف بالثورة الكمالية وبرجلها الثاني بعد مصطفى كمال وهو عصمت إينونو.
فسمحت تركيا سنة (1946م) بإدخال التعليم الديني في المدارس وفي سنة (1947م) سمحت بالحج بعد أن ظل سنوات طويلة ممنوعاً، وسمحت بإنشاء مدارس للوعاظ والأئمة سنة (1948م) وسمحت بزيارة القبور سنة (1950م) .
13-لقد أصيب الشعب التركي بالأمية الفكرية بعد أن حرم من تراث وعقيدة وثقافة عاش معها أكثر من خمسة قرون، وبعد أن حرم الكتابة بالأحرف التي توارثها جيلاً بعد جيل فخلف خلوف من الأتراك لا تعرف عقيدة ولا ثقافة ولا دينا ولا مبادئ (ضائعون تائهون حائرون ممزقون) .
(لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) (الحجر: 72)
ولكن الفطرة الطيبة التركية ستنبذ هذه الأفكار الدخيلة وستدوس هذه المبادئ الكمالية يوماً والبشائر تلوح بالأفق أليس الصبح بقريب؟
(ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا) (الإسراء: 51)
فحزب السلامة الإسلامي لن يموت بإذن الله ورغم حركات العسكر القمعية الإرهابية.
(وما النصر إلا من عند الله) (آل عمران: 126)
وقبل أن أختم مقالي أريد أن أقول كلمة للحكومة العسكرية التركية على رسلك..! فلن تستطيعي أن تبعثي الأموات من القبور، فالتجربة الكمالية في طريقها إلى الاندثار، بعد أن ذاق الشعب من ويلاتها ودمارها مرارة العيش وحرم لذة الحياة الإنسانية وعانى من حرمان السكينة والطمأنينة في ظلال هذا الدين.
أقول للنظام القائم: وفر القروض التي تستلفها وسد بها دينك حتى لا يعلن البنك الدولي إفلاسك، وفر النقود التي تنفقها على التماثيل الكمالية لتملأ بها مفارق الطرق.
14-لقد بدأت تركيا مسيرتها الحديثة مع اليابان وأين اليابان اليوم من تركيا؟
إن اليابان تعتبر أرقى بلد صناعي في العالم بينما تركيا الآن مهددة بالإفلاس.
وقد هددها البنك الدولي قبل ثلاث سنوات بإعلان إفلاسها لولا تدخل السعودية لإنقاذها من هذا السقوط المصيري.
15-سيطر اليهود على أجهزة الدولة المختلفة، وقد مكن لهم مصطفى كمال من هذه السيطرة فمثلا: خالده أديب -وزيرة المعارف التركية أيام كمال- يهودية وهي لكثرة نفخ الصحافة فيها سموها جان دارك الأتراك.
ووالدها اليهودي أديب أفندي، وكانت من دعاة القومية الطورانية المتطرفين، وهي على جانب كبير من الجمال، مؤهلها عند مصطفى كمال، مع تهتكها وتحللها وانحرافها.
وقد كتبت روايتها المشهورة (طوران الجديدة) ، ورواية أخرى (اضربوا الغانية) (95) وأخيراً اختلفت مع مصطفى كمال وهربت من تركيا وعادت بعد موته، واستمر الخط اليهودي في تركيا.
أما الإعلام فيكاد يكون خالصاً لهم من دون المسلمين والأتراك، فمثلاً جريدة (حريت) يهودية توزع مليون نسخة يوميا وتصدر عن دار النشر فيها مجلات مثل (مجلة الحياة) ومجلة (التاريخ) ، هذه الدار تملكها أسرة يهودية من الدونمة وتحتضن كبار كتاب اليسار التركي.
وتأتي بعد جريدة (حريت) جريدة أخرى اسمها (مليت التركية) وتديرها عائلة يهودية اسمها (ايبكجي) وفيها الكاتب اليهودي المعروف (سامي كوهين) وإلى جانبه كتاب اليسار التركي (96) ثم جريدة (جمهوريت) التي أسسها يونس نادي وهي جريدة اليسار التي كان يرأسها يهودي الدونمة (نوري تورن) ، ومنذ سنة (1972م) واسمه المحامي اليهودي (رشاد أتايك) .
أما الإذاعة والتلفزيون فكان المدير فيها اليهودي المعروف (حم ايبكجي) ، وبقي مديراً حتى اتخذ أربكان أثناء وجوده في الوزارة قراراً بعزله.
ورفض رئيس الجمهورية التوقيع على قرار عزله ولكن الوزارة أصرت واضطر رئيس الجمهورية أخيراً التوقيع سنة (1975م) .
ومرة أخرى نقول للحكومة العسكرية التركية الأولى أن تربطي الشعب التركي بإسلامه، وأن تحاولي بناءه مرة أخرى بمبادئ هذا الدين بدلاً من توزيع الأوثان في الشوارع.
أحم الليرة التركية من السقوط، وفري أيتها الدولة جهودك فلقد عفا الزمن على مصطفى كمال ولفظه التاريخ من صفحات الوطنيين أو البشر أو الأناسي أو المسلمين.