فهرس الكتاب

الصفحة 16729 من 27364

واليوم بعدما حاول الفلسطينيون أن يردوا شيئا هو أقل من القليل بكثير مما لحق بهم وقاموا بأسر جندي من جنود اليهود، هاج اليهود كأنهم بغال شموس وعاثوا في الأرض الفساد، واستباحوا الحمى وقتلوا أكثر من أربعين قتيلا (نحسبهم شهداء ولا نزكي على الله أحدا) والمئات من الجرحى، واختطفوا العديد من الوزراء والنواب، الذين لهم حصانة بمقتضى (الشرعية الدولية المزعومة) .

فماذا كان موقف أمريكا (راعية الحريات ونشر الديمقراطية في العالم) من ذلك؟، لقد صرحت على لسان المسئولين فيها: إن لليهود حق الدفاع عن النفس، أي نفس هذه؟ النفس الظالمة المحتلة التي استولت على الأرض من أصحابها، أما أصحابها الأصليون فلا حق لهم في الدفاع عن النفس، ألا شاهت وجوه أقوام لا يستحون من الكيل بمكيالين، وينصرون الظالم المعتدي، ويتبجحون بذلك أمام الناس ولا يبالون بأنات الأيتام والأرامل والجرحى والمرضى،ألم يقتل اليهود من قَبْل الفلسطينيين؟ ألم يخرجوهم من ديارهم؟، ألم يذهبوا وراءهم آلاف الأميال في تونس ليقتلوهم هناك؟، ألم يخطفوهم من بيوتهم بل حتى من السجون التي كانت تحت حراسة القوات الدولية؟ لكن هل فعلت أمريكا ومن مشى في دربها المظلم شيئا يخالف منهجها الظالم، الذي ما ترك قضية للإسلام، إلا وقف ضدها وساند من يعاديها، فماذا كان رد فعل العالم-الذي تحرك من أجل أسر جندي محارب والسلاح في يده-إزاء ذلك كله؟

وها هي الدول الكبيرة لا تكاد ترى خللا في بلاد المسلمين-وقد تكون هي الداعمة له-إلا طالبت بالتدخل الدولي وإرسال قوات من الأمم المتحدة، لتكون بمثابة رأس الحربة التي يتوكأ عليها أعداء الإسلام، فها هم اليوم يحاولون التدخل في شئون السودان بحجة مشكلة دارفور الداخلية، بينما لا نجد أحدا يتكلم عن مثل هذا في أرض فلسطين رغم أنهم في أشد الحاجة لمن يكف عنهم بأس اليهود، وهاهي أمريكا تستصدر من الأمم المتحدة قرارا يعطي جنود الاحتلال في العراق-الذين عذبوا المواطنين وهتكوا لأعراض وقتلوا النفوس المعصومة ومثلوا بالجثث-الحصانة ضد المحاكمات، بينما لا يستحون من المطالبة بمحاكمة أعضاء من الحكومة السودانية أمام المحاكم المعنية بمحاكمة مجرمي الحرب من أجل المشاكل المصطنعة التي في دارفور .

فيا حكام قومي ويا حكام أمتي إن كنتم تريدون أن يكون لكم شأن في هذا العالم، ولا تكون بلدانكم مجرد بقرة حلوب يستدرون منها الحليب والدسم، فقد جاء دوركم وحانت الساعة، قفوا وقفة رجل واحد، وهبوا هبة لا التواء فيها ولا تلعثم، إن العالم اليوم لم يعد يعترف بالأخلاق ولا بالمثاليات، ولا يفهم إلا لغة واحدة، لغة القوة التي تذهل الخليل عن خليله كما قال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه وهو بين يدي رسول ا صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية:

خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله

يا رب إني مؤمن بقيله

قال الله تعالى وهو يستحثنا على نصرة المظلومين: [ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا] {النساء:75}

إن الهرولة أمام اليهود والمشي في ركابهم وفتح السفارات، والاستعداد لفتح سفرات أخرى، وإقامة العلاقات الاقتصادية لا يزيدكم إلا وهنا على وهن، ولا تزيدهم إلا طغيانا وتجبرا، كما الله تعالى في الإنس الذين كانوا يستعيذون بالجن فزادوهم بالاستعاذة بهم طغيانا قال الله تعالى: [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا] {الجنّ:6} والرهق: الطغيان

إن المعركة ليست معركة اليهود مع الفلسطينيين، إن المعركة هي معركة الأمة جميعها وهي معركة الكفر مع الإسلام، وقد ظن الكفر أن الساعة قد حانت، وأن أوان القضاء على الإسلام قد حل، وما يجري اليوم بالفلسطينيين ليس إلا صورة لمن يمكن أن يحدث لغيرهم، وحينئذ لن ينفع القائل قوله: [ياليتني قدمت لحياتي ] {الفجر:24} وما تجرأ الأمريكان على غزو أفغانستان والعراق من بعدها، إلا لما رأوه من رد فعل المسلمين الذي لم يرق لمستوى الحدث الجلل في فلسطين.

لقد ملأت أمريكا والغرب من وراءها الدنيا ضجيجا بالحديث عن الإرهاب، فماذا تسمون الهجوم بالطائرات والدبابات على شعب أعزل، وماذا تسمون تدمير الجسور ومحطات الكهرباء والمياه أليس ذلك إرهابا، بل ماذا تسمون ضرب الشواطئ وقتل الأطفال الأبرياء الذين يلعبون على رمالها ألا يستحق هؤلاء أن تقف الدنيا كلها أمام ظلمهم وعدوانهم لكن الأمر كما قال الشاعر العربي

وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت