فهرس الكتاب

الصفحة 17029 من 27364

أولا: المادة الجدلية

ثانيا: المادة التاريخية

ثالثا: المذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق

تمهيد

ليست الشيوعية مذهبا اقتصاديا بحتا كما يتبادر إلى ذهن كثير من الناس حين يسمعون لفظة الشيوعية ، وإن كان لها ولا شك مذهب اقتصادى محدد متميز ، إنما هى تصور شامل للكون والحياة والإنسان لقضية الألوهية كذلك ، وعن هذا التصور الشامل ينبثق المذهب الاقتصادى . ثم إنها من جهة أخرى مذهب اقتصادى واجتماعى وسياسى وفكرى مترابط متشابك لا يمكن فصل بعضه عن بعض .

ومن ثم فلا يمكن عزل المذهب الاقتصادى وحده بعيدا عن التصور الشامل الذى ينبثق عنه ، أو بعيدا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له .

وسواء كان الوضع الاقتصادى وحده هو الأصل الأصيل والأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية المصاحبة له مجرد انعكاس له كما تقول النظرية الشيوعية ، أم كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية أصيلة في صدروها عن التصور الشامل كأصالة الوضع الاقتصادى كما نزعم نحن ..

ففى جميع الحالات لا يمكن فصل المذهب الاقتصادى وحده ، وعزله عن التصور الشامل الذى انبثق عنه ، ولا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له ، كما أنه لا يمكن تركيبه على تصور آخر . ولا على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية مغايرة . وليس هذا خاص بالشيوعية إنما هو من طبيعة كل تصور ، وكل أوضاع ناشئة عن ذلك التصور .

وليس معنى هذا أن التصور الواحد لا يمكن أن ينبثق عنه إلا صورة اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية واحدة محددة السمات والتفصيلات ، فسوف نرى في أثناء العرض والمناقشة أن ذلك غير صحيح . ولكن الذى نعنيه أن هناك اتجاهات عامة تربط بين المذهب الاقتصادى السياسى الاجتماعى الفكرى وبين التصور الذى ينبثق عنه ذلك المذهب . وإن هذه الاتجاهات العامة لابد أن توجد في كل صورة من الصور الاجتماعية السياسية الاقتصادية الفكرية التى يمكن أن تنبثق عن ذلك التصور ، وإن اختلفت فيما بينها في الدرجة أو في التفصيلات والسمات الخاصة .

وبديهى أن التصور الشيوعى للألوهية والكون والحياة والإنسان هو تصور مادى بحت .. فهم يسمون نظريتهم العام"المادية الجدلية"ويسمون تفسيرهم للتاريخ"التفسير المادى للتاريخ"ومن أقوالهم:

لا إله . والكون مادة .

وحدة العالم تنحصر في ماديته .

المادة سابقة في الوجود على الفكر .

لم يكن هناك وقت لم تكن المادة موجودة فيه ، وليس هناك وقت لا تكون المادة موجودة فيه . .

الإنسان نتاج المادة .

الفكر نتاج الدماغ والدماغ مادة .. الخ

وحين نتكلم عن الشيوعية فلابد أن نتكلم عن أمور ثلاثة رئيسية هى المادة الجدلية ، والمادية التاريخية ، والمذهب الاقتصادى الشيوعى مع الأوضاع السياسية والاجتماعية المصاحبة له .

ولكنا نحب أن نشير في هذا التمهيد إلى أن ماركس - أو الشيوعيين بصفة عامة - ليسوا هم الذين ابتدعوا الاتجاه المادى . وإنما الحق أنهم قمته ومنتهاه .

وليسوا هم الذين ابتدعوا"الجدلية"تفسيرا للحياة البشرية أو الوجود عامة بما فيه الكون المادى والحياة البشرية ، إنما"الجدلية المادية"أو"المادية الجدلية"هى التى يمكن أن تعتبر ابتداعهم الخاص .

الاتجاه المادى قديم في الحياة الأوروبية قدم النهضة الأوروبية إن لم نقل إن له جذورا أعمق من ذلك في بعض اتجاهات الفلسفة الإغريقية القديمة واتجاهات الحياة الرومانية قبل المسيحية .. وقد قامت النهضة الأوروبية كما سبق أن بينا على أساس معاد للدين .. كما أنها رجعت إلى الأصول الإغريقية الرومانية تستمد منها ، بلاد من الأصول الدينية المسيحية التى كانت منسلخة منها منقلبة عليها ..

وحين قامت النهضة انقلب اتجاه التفكير في أوروبا من ناحيتين اثنتين على الأقل ، كلتاهما تعضد الأخرى . فقد كان الفكر الأوربى في فترة المسيحية الكنسية قائما على أصول دينية - بصرف النظر عما وقع فيها من تحريف عن الأصل الصحيح - أى أن مصدرها - في حسهم - هو الله والوحى الربانى ! ثم إن هذا الفكر كان متجها إلى الآخرة على أساس أن الخلاص الحقيقى هناك ، وأنه لا خلاص في الحياة الدنيا .. أما فكر النهضة فقد كان"إنسانية"من جهة ، وموجها إلى الحياة الدنيا من جهة أخرى . إنسانى لا بمعنى أنه مشغول بالقيم العليا الإنسانية ، أو"بالإنسان"كما ينبغى أن يكون في صورته الكريمة اللائقة بإنسانيته ، ولكن بمعنى أن الإنسان - وليس الله - هو الذى ينبغى أن يكون مصدر المعرفة . وأن الفكر الإنسانى - لا الوحى الربانى - هو المرجع الذى يرجع إليه الإنسان في النظر إلى أمور حياته ومتطلباتها . وفى والوقت ذاته كان هذا الفكر موجها إلى النظر في الحياة الدنيا ومقتضياتها لا إلى الآخرة ومقتضياتها .

يقول رايوبرث عن عصر النهضة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت