فهرس الكتاب

الصفحة 17030 من 27364

"وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته المطلقة وبمعارضته للسلطة وذويها ، وذهابه شوطا بعيدا في اعتبار العالم كله وطنا له .. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة في ذلك طريقة التفكير في القرون الوسطى .. ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء"الإنسانيين".. وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون"نمو الفردية"أعنى الرأى القائل بأن الإنسان ينبغى أن يفكر بنفسه لنفسه . وهو رأى كان قد أهمل في عصر عبودية العقل (1) "

ويقول جرين برينتون عن الحركة الإنسانية وفنونها:

"إنه طالما كانت العصور الوسطى في الواقع عصورا دينية ، وطالما أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة ، فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة ، أما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية .. (2) "

هذا الاتجاه المنسلخ من الدين ، المتجه إلى المادية ، لم يقفز دفعة واحدة من الروحانية الدينية إلى المادية اللادينية ، ولا استقام نحو هدفه في طريق واحد خال من الذبذبات . ولكنه كان في كل قفزة يتجه إلى المادية أكثر ، ويبعد عن الله أكثر ، وإن عاد فهى عودة مؤقتة سرعان ما يتخلص منها ويمضى مبعدا في الطريق المنسلخ عن الدين . فقد انفصلت الفلسفة عن الدين بادئ ذى بدء ونبذت البحث فيما"وراء الطبيعة"كما كانوا يطلقون على أمور الغيب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى وخلقه لهذا الكون ، والغاية من هذا الخلق ، والوحى الربانى المتضمن للقيم الدينية التى ينبغى أن يتبعها الإنسان من أجل الخلاص في الآخرة . واتجهت الفلسفة إلى دراسة"الطبيعة"والكون المادى ، والإنسان باعتباره كائنا موجودا في الطبيعة ، لا بوصفه كائنا قد خلقه الله لغاية معينة وهدف يؤديه . وكان التقدم العلمى الذى حدث منذ بدء النهضة أحد العوامل الهامة التى ساعدت على اتجاه الفكر الأوربى ذلك الاتجاه من خلال المذهب العقلى والتجريبى .

يقول برينتون عن المذهب العقلى:

(1) كتاب مبادئ الفلسفة ، ترجمة محمد امين - دار الكتاب العربى بيروت ص 119 - 120

(2) كتاب منشأ الفكر الحديث - ترجمة عبد الرحمن مراد ص 27

"فالمذهب العقلى يتجه إلى إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون ، ومن الوجهة التاريخية فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلى نحو الكون .. (1) "

ويقول الدكتور محمد البهى عن المذهب التجريبى:

"إن تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها ، ومعنى ذلك أن الحس المشاهد لا غيره هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية .. ففى العالم الحسى تكمن حقائق الأشياء . أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية ، والبحث عن العلة في هذا المجال ، فأمر يجب أن يرفض . ولهذا تكون كل نظرية أو كل فكرة عن وجود له طابع الحقيقة فيما وراء الحس نظرية أو فكر مستحيلة (2) "

وهذا يتفق المذهب العقلى مع المذهب التجريبى في البعد عن الله وتجنب البحث عن الغاية من الخلق ، والنظر فى"الطبيعة"بدلا من النظر فيما وراء الطبيعة أى في عالم الجس بدلا من عالم الغيب .

ثم كان نيوتن ونظرياته خطوة دافعة على الطريق ‍!

فقد اكتشف نيوتن بعض ما سمى عندهم"قوانين الطبيعة"التى يجرى الكون المادى بمقتضاها . وكشف عما يسمى عندهم"قانون السببية"أى القانون الذى يفسر ظواهر الطبيعة بردها إلى أسبابها الظاهرة . وقد كان هذا في أوروبا ذريعة لنفى الأسباب غير الظاهرة وغير المحسوسة ، أى نفى الأسباب الغيبية (3)

يقول برينتون:

"إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة في هذا العالم". ويمضى فيقول:"الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة . ولكن صانع هذه الساعة الكونية - ونعنى بها الكون - لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد ، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد . أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها . وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذا الساعة الكونية الضخمة ، الذى لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في شئون عمله (4) "

ويقول:

"ولكن ثمة أناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا فكرة الإله فكرة شريرة ، وخاصة إذا ما كان إله الكنيسة الكاثوليكية . وأطلقوا على أنفسهم بكل فخر اسم الملحدين . وهم يعتقدون ان ليس ثمة وجود لمسيح أو لإله المسيحية ، ويقولون إن الكون ليس إلا مجموعة متحركة ذات نظام معين يمكن فهمه باللجوء إلى السببية المعتمدة على أساس العلوم الطبيعية (5) "

ويقول راندال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت