"إنه لأقرب إلى الطبيعى والمعقول أن نشتق من صور المادة كل شئ موجود لأن كل حاسة من حواسنا تبرهن على وجودها ، ونختبر كل لحظة نتائجها بأنفسنا . ونراها فاعلة متحركة ، تنقل الحركة وتولد القوة دون انقطاع ، من أن نعزو تكون الأشياء لقوة مجهولة ولكائن روحى لا يستطيع أن يخرج من طبيعته ما ليس هو بذاته ، كائن بعجز بحكم الجوهر المنسوب إليه أن يفعل أى شئ أو أن يحرك أى شئ (6) "
هكذا سار الاتجاه المادى المادى الملحد بخطوات حثيثة حتى جاء القرن التاسع عشر ، فظهرت الفلسفة الوضعية التى تقول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل ، واعتبارها هى الأصل الذى ينبثق عنه كل شئ .. والذى يبعث الأفكار في العقل البشرى ، وكان من أهم فلاسفتها"أوجست كومت"و"فرباخ"
ويذكر الدكتور محمد البهى في تلخصيه الجيد للفكر الغربى في تلك الفترة في كتابه"الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى"أن هذه الفلسفة تدعو إلى سيادة الطبيعة ، إن لم نقل عبادتها ، قد قامت في جو معين حيث تولدت الرغبة في نفوس كثير من العلماء والفلاسفة لمعارضة الكنيسة التى كانت تملك نوعا خاصا من المعرفة تستغله في معارضة خصومها وهى المعرفة الدينية ، فقام هذا الفريق من العلماء والفلاسفة بالهجوم الشديد عليها باسم العلم ، وقامت هذه الفلسفة الوضعية على أساس تقدير الطبيعة وحدها مصدرا للمعرفة اليقينية .. ثم يقول:"ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة في نظرها هى التى تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان ، وهى التى توحى بها وترسم معالمها .. هى التى تكون عقل الإنسان . والإنسان - لهذا - لا يملى عليه من ذاته الخاصة .. إذ ما يأتى من ( ما وراء الطبيعة ) خداع للحقيقة وليس حقيقة !! وكذا ما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة أيضا ! !"
"وبناء على ذلك يكون"الدين"وهو وحى ( أى ما بعد الطبيعة خداعا ! هو وجى ذلك الموجود الذى لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة ."
(1) المصدر السابق
(2) الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى ص 297
(3) انظر حديثا عن السببية ودورها في الفكر في فصل"العقلانية"من هذا الكتاب .
(4) منشأ الفكر الحديث ص 151
(5) المصدر السابق 152
(6) تكوين العقل الحديث ج1 ، ص 439
"هو وحى الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية . وكذلك"المثالية العقلية"وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعى . إذ هى تصورات الإنسان من نفسه من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التى يعيش فيها وتدور حوله (1) "
"إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة - أى ما فيه من معرفة - وليد الطبيعة التى تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية .ز إنه مخلوق ، ولكن خالقه هو الوجود الحسى . إنه يفكر ، ولكن عن تفاعل مع الوحود المحيط به . إنه مقيد مجبر ، وصانع القيد والجبر هو حياته المادية . ليس هناك عقل سابق على الوجود المادى ، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان عن طريق الوحى .. عقل الإنسان ومعرفته يوجد أن تبعا لوجود الإنسان الماى . هما انطباع لحياته الحسية المادية التى يتنفسها" (2)
أما الجدلية فقد سبق إليها"فيشته"و"هيجل"
وقد كان الأصل في التفكير الجدلى"الدياكتيكى"هو البحث عن تصور فلسفى يسمح بوجود المتناقضات في الكون والحياة ويفسرها . ذلك أن المنطق اليونانى القديم ( الذى يسمى المنطق الصورى Fo r mal logic ) ينفى وجود التناقض في الكون والحياة ، ويقيم تفكيره على أساس أن الشئ ونقيضه لا يمكن أن يجتمعا . فوجود أى شئ هو ذاته نفى قاطع لوجود نقيضه .
ولكن الفكر الأوروبى منذ عصر النهضة - وأن كان قد رجع إلى الفكر الإغريقى يستمد منه - كانت له التفاتات مختلفة عنه في مجالات متعددة . حتى إذا كان النصف الثانى من القرن الثامن عشر الميلادى - عصر سيادة العقل في الفكر الأوربى المسمى عندهم"بعض التنوير"- قام فلاسفة يشيرون إلى وجود التناقض في الكون والحياة ويحاولون تفسيره ، من أبرزهم"فيشته"و"هيجل". فأما فيشته"1762 - 1814 م"- كما يقول الدكتور محمد البهى في كتابه السابق الذكر - فقد استخدم مبدأ النقيض كى يدعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة مقابل الدين والطبيعة (3) .. وأما"هيجل""1770 - 1831"فيستخدم مبدأ النقيض لتأكيد قيمة العقل من جهة ، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد ، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للمعرفة ، يعتبر الله سبحانه عقلا (4)
واستخدم هيجل مصطلحات خاصة به . هى الدعوى ومقابل الدعوى وجامع الدعوى ومقابلها ن وتصور أن هناك فكرة مطلقة أطلق عليها اسم العقل المطلق - وهو الله عنده - انبثقت عنه الطبيعة وهى تغايره تماما ، لأنها مقيدة ومتفرقة وهى عنده العقل المقيد . ثم انتقلت الفكرة من الطبيعة أو العقل المقيد إلى جامع يلتقى فيه الشئ ونقيضه وهو العقل المجرد الذى هو نهاية الطبيعة المحدودة وغايتها ، وهو جامع الدعوى ومقابلها .