وهذا العقل المجرد يتمثل في القانون والأخلاق ، وفى الفن والدين والدولة والجماعة والفلسفة . إذن فالعقل المجرد الذى يتحقق في أى وحدة من هذه القيم العاملة المذكورة جامع للمتقابلين: جامع للفكرة في العقل المطلق وهو الله ، وللفكرة في العقل المقيد وهو الطبيعة .. ذلك أنه ليس له إطلاق العقل المطلق ولا تحديد عقل الطبيعة ، بل فيه إطلاق بالنسبة إلى الطبيعة وتقييد بالنسبة للعقل المطلق ولذا يعتبر جامع الدعوى ومقابل الدعوى (5)
وأما المنبع الثالث لفكر ماركس بعد الجدلية التى أخذها من هيجل ، والمادية التى أخذها من كومت فهو دارون ونظرية التطور .
جاء داريون يؤله الطبيعة ويقول عنها إنها تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق . ويؤكد أن الإنسان هو نهاية سلسلة التطور الحيوانية . وأن التطور ذاته - الذى أنشأ الحياة المادية الميتة أول مرة ، ثم تدرج بها من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان - هو نتيجة أسباب مادية بحتة ، وأنه يتم مستقلا عن إرادة الكائن الحى ، وبصورة حتمية لا يملك الكائن الحى الخروج عليها ولا معارضتها ولا الوقوف في طريقها .
ماذا بقى من فكر ماركس لم يسبق إليه ؟!
(1) الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى الطبعة الثانية . ص 298 - 299
(2) المصدر السابق ص 299
(3) كان هذا قبل ظهور الفلسفة الوضعية المادية التى قالت بسيادة الطبيعة مقابل العقل والدين . والواقع أن الفلسفة الوضعية قامت ردا على الفلسفة العقلية التى سادت في عصر التنوير .
(4) عن الفكر الإسلامى الحديث ص 289 بتصرف
(5) عن المصدر السابق ص 290 - 291 بتصرف
ومع ذلك فلم يكن عمل ماركس هو مجرد التجميع للأفكار السابقة والمعاصرة (1) فلقد أنشأ فلسفة مترابطة متكاملة - أيا كانت مصادرها الأولية - تشمل كل القضايا المحيطة بالإنسان ، وتشملها جملة وتفصيلا على نحو غير مسبوق في الفكر الغربى . وليس هنا مجال تقويم هذه الفلسفة في جملتها وتفصيلاتها (2) ولا مجال السؤال عن كونها - في صورتها التى قدمها بها ماركس - كانت قمينة أن يتلفت إليها ويحتفى بها ، أم تترك"لتمر"كما مرت فلسفات كثيرة من قبل ، لتصبح فيما بعد"كلاما"يدرسه طلاب الفلسفة في الجامعات . أم تهاجم الذى يقضى عليها ويجبها من منبتها .. لولا ذلك السند الضخم الذى لقيته من العناصر التى سعت لإقامة الشيوعية في الأرض والدعاية لها في الآفاق (3) .
إنما نحن هنا في مجال تقديم الشيوعية كما قدمها أصحابها ، من خلال الموضوعات الثلاثة الرئيسية: المادية الجدلية والمادية التاريخية والمذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق .
أولا: المادية الجدلية
المادية الجدلية تصور خاص لقضايا الأولهية والكون والحياة والإنسان يقوم على أساس مادى بحت ، على أساس أن المادة هى الشئ الوحيد الأصيل في هذا الكون ، وأن كل ما في الكون ومن فيه منبثق من المادة ومحكوم بقوانين المادة ، ولا وجود له خارج نطاق المادة . كما يقوم هذا التصور من جهة أخرى على أساس وجود التناقض في طبيعة المادة ، ومن ثم في كل ما ينبثق عنها من مخلوقات ومن كيانات بما في ذلك الكيان الإنسانى ، فهو كيان مادى من جهة ، ومحكوم بصراع المتناقضات من جهة أخرى . وتلك هى حقيقة كل أفكاره ومشاعره ، وكل نظمه ومؤسساته ، وكل قيمة ومبادئه ، وكل حركته خلال التاريخ .
وقد قلنا في التمهيد السابق إن ماركس لم يكن هو مبتدع الجدلية أو التفكير الجدلى على العموم ، فقد أخذ هذا التفكير عن هيجل ، ولكنه خالفه فيه مخالفة أساسية ، إذا قال هيجل إن الفكرة هى الأصل وهى سابقة في وجودها على المادة ومسيطرة عليها ، وقال ماركس إن المادة هى الأصل وهى سابقة على على الفكرة ومسيطرة عليها .
يقول ماركس:"لا يختلف منهجى الجدلى في الأساس عن منهج هيجل فقط ، بل هو نقيضه تماما ، إذ يعتقد هيجل أن حركة الفكر التى يجسدها باسم الفكرة ، هى مبدعة الواقع الذى ليس سوى الصورة الظاهرية للفكرة، أما أنا فأعتقد على العكس ، أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان (4) "
ومن ثم سميث جدلية هيجل الجدلية المثالية وجدلية ماركس الجدلية المادية أو المادية الجدلية .
أما أصل التسمية - في لغتها الأصلية - فهى مأخوذة عن الإغريقية ، ومستمدة من الحوار الفلسفى الإغريقى Dialogos الذى كان يمثل وجهتى نظر مختلفتين تتجادلان حتى تتبين الحقيقة من خلال الجدل . وغالبا ما تكون الحقيقة مزيجا من وجهتى النظر المختلفتين ، ولكن يظهر جليا في أثناء الحوار ( أو الجدل ) أن إحدى وجهتى النظر تأخذ في التراجع المؤدى إلى التسليم ، بينما تأخذ وجهة النظر الأخرى في التفوق حتى تتغلب في نهاية الأمر ، وإن كانت في غلبتها لا تلغى الأخرى تماما بل تبقى منها بقايا تظهر في الحقيقة النهائية .