فهرس الكتاب

الصفحة 17042 من 27364

جاء الإقطاع نتيجة ظروف مادية واقتصادية . فمن الناحية المادية كان اختراع المحراث الحديدى وتطور زراعة الأرض نتيجة إدخال أدوات جديدة أكثر صلاحية من أهم السباب التى أدت إلى ظهور الإقطاع ، ومن الناحية الاقتصادية كان لابد من تغيير علاقات الإنتاج بعد أن أصبح الرقيق - بحالته التى كان عليها - عاجزا عن الإنتاج ، أو بعبارة أخرى عاجزا عن تلبية مصالح السيد الاقتصادية ، لكثرة تمرده وهربه نتيجة المعاملة البشعة التى كان يتلقاها من السيد أو وكيله . وفى النظام الإقطاعى يملك السيد الأرض ولكن الفلاح الذى يعمل لحساب السيد يمكن أن يمتلك قطعة صغيرة من الأرض - بالقدر الذى يسمح به الإقطاعى - وله نصيب من الإنتاج - يحدده الإقطاعى كذلك - يعيش منه هو وأسرته .

ولكن نصيب الفلاح - في مجموعة - كان أضأل من أن يوفر له الحياة الكريمة أو الحياة الصحية ، وكان هو وأسرته يعيشون في حالة من الضنك الشديد ، وكثيرا ما كان الفلاحون يموتون بالمئات والألوف نتيجة الجوع أو الإصابة بالسل أو نتيجة أوبئة الفتاكة .

وبدأ نضال الفلاحين ضد الإقطاعيين لرفع الظلم الفاحش الواقع عليهم ، ولكنهم كانوا أضعف من أن ينالوا شيئا من الإقطاعيين المحصنين بقلاعهم المزودين بجيوش تحميهم ، كما أنه لم يكن للفلاحين تجمع ذو هدف محدد يخوض معركة منظمة ضد الإقطاعيين ، لذلك باءت ثوراتهم بالإخفاق ، ولكن من خلال التطور المادى والإقتصادى أخذ الإقطاع ينهار لتحل محله الرأسمالية .

نشأت الرأسمالية ( التى يسميها الشيوعيون البرجوازية لنشأتها في المدينة Bou r jois ) نتيجة عدة عوامل أهمها اختراع الآلة التى أخذت تحل بالتدريج محل الإنتاج اليدوى ، كما اتسعت الكشوف الجغرافية وزاد حجم التجارة الأوربية (2) "، كما أن ظاهرة العمل المأجور - أى تأجير العامل جهد يده من أجل الحصول على مطالب الحياة - كانت قد بدأت توجد في المدن وإن كان حجمها في بادئ الأمر لم يكن كافيا لتشغيل الحركة الصناعية الناشئة فقامت الثورة التى أدت إلى تحطيم الإقطاع ."

يقول سيجال في كتاب"لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ"ص 33 من الترجمة العربية ):

"وهكذا نرى أن الإقطاعية التى كانت متوافقة عند نشأتها مع مستوى القوى المنتجة في المجتمع صارت متناقضة مع القوى المنتجة المتنامية ، وصار الغاؤها ضرورة تاريخية"

(1) لم يقل لنا كيف كانت هذه الثورة .

(2) نحن هنا - كما سبقت الإشارة - نعرض الأفكار ولا نناقشها ، ولكن لابد لنا هنا من تعليق بمناسبة الكشوف الجغرافية وزيادة حجم التجارة الأوربية يغفله المؤرخون الأوربيون عامدين ، ويستغل إغفالهم ذلك كل الذين يحبون طمس العنصر الدينى وآثاره في التاريخ البشرى . فإن الحقيقة أن الحروب الصليبية الحديثة التى بدأت بعد طرد المسيحيين للمسلمين من الأندلس ، وملاحقتهم لمحاولة القضاء عليهم فيما وراء الأندلس ، كانت هى السب الحقيقى للكشوف الجغرافية ، وأشهر مثال على ذلك فاسكوا داجاما - الذى كشف لأوربا طريق رأس الرجاء الصالح - قال عند وصوله إلى جزر الهند الشرقية"الآن طوقنا رقبة الإسلام ولم يبق إلا جذب الحبل ليختنق فيموت"وقد كان الاستعمار الصليبى لبلاد الإسلام أهم العوامل في تنشيط التجارة الأوروبية وإتاحة الفرصة للرأسمالية النامية لتستكمل نموها الظالم الجبار .

وفى ظل الرأسمالية حدث تقدم عظيم في مجالات كثيرة منها المجال العلمى والمجال التكنولوجى لأن الرأسمالية تسعى دائما لزيادة الإنتاج من أجل الربح . كما نشأ تنظيم جديد للعمل يتعاون فيه مجموعة كبيرة من الناس في العمل الواحد بدلا من العمل الفردى . ونشأ تحسين للطرق والمواصلات من أجل تصريف الإنتاج الصناعى في داخل البلاد وخارجها . كما كان الاستعمال وسيلة للحصول على موارد رخيصة ومجالا لتصريف فائض الإنتاج ونشأت الأمم في أوربا وحل الحكم الدستورى محل الحكم الملكى المطلق . ولكن هذا كله كان على حساب طبقة العمال المضطهدة ، التى تبذل الجهد الحقيقى في عملية الإنتاج ولا تنال إلا أقل القليل .

يقول إنجاز في كتاب"أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة" ( ص 279 من الترجمة العربية ) :

"ولما كان استغلال طبقة من قبل طبقة أخرى هو أساس الحاضرة ، فإن نموها كله يسير في تناقض مستمر . كل خطوة إلى الوراء في أحوال الطبقة المضطهدة أى الأكثرية العظمى . كل ما هو خير للبعض لابد أن يكون شرا للآخرين . كل تحرر جديد لإحدى الطبقات يعنى دائما اضطهادا جديا لطبقة أخرى . وأعظم دليل على هذا نجده في إدخال الآلة ( يقصد الرأسمالية ) التى يعرف العالم بأسره أثارها الآن"

ويقول كور نفورث في كتاب"مدخل إلى المادية التاريخية" ( ج1 - ص 73 من الترجمة العربية ) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت