فهرس الكتاب

الصفحة 17054 من 27364

أم لابد بداهة أن تكون قطعة المادة التى سودت نفسها أو منحت السيادة على بقية المادة ، متميزة في تركيبها عن بقية المادة وزائدة عنها بنوع من الزيادة أيا كان ؟

فإذا كان ذلك كذلك فكيف تكون قوانين المادة العادية منطبقة بحذافيرها على قطعة المادة التى تميزت عنها في تركيبها وزادت عليها زيادات ؟

أليست الزيادة التى اقتضت التميز والسيادة - أيا كان نوعها - تقتضى أن يكون لها معاييرها الخاصة وقوانينها الخاصة ؟

وهل يكفى أن يقول الإنسان بلسانه - كما يقول التفسير المادى للتاريخ - إن الإنسان هو أعلى"تطور"حدث في عالم المادة ، إذا كان سيعود فيلغى هذا"التطور"ويعامل الإنسان بقانون المادة البحث بلا تغيير ؟

ما قيمة التطور إذن - إذا سلمنا جدلا بأن الإنسان مادة متطورة - بل ما قيمة"أعلى درجات التطور ، إذا كنا سنعود فنعامل المادة المتطورة بقوانين المادة غير المتطورة ؟"

وما هذه الحيرة والبلبلة: مرة نعامل الإنسان على أنه أعلى درجات التطور في عالم المادة ، ومرة نعامله بقوانين الطين مجردة عن كل زيادة . أم هذا هو"الإنسان الطينى"الذى يصفه ويتكلم عنه التفسير المادى للتاريخ !

انطبقا قوانين المادة الجامدة على الإنسان أسطورة"علمية"غير مسبوقة في تاريخ الفكر البشرى ، تسجل"براءة"اختراعها والحق يقال للماديين الشيوعيين ، وإن كانت لا تحمل"براءة"على الإطلاق !

إنها مجرد هراء يتلبس بزى علمى مزيف ، لا يمكن تفسيره إلا إذا أخرجناه تماما من دائرة العلم ، ونظرنا إليه من زاوية الهدف المقصود منه ، كما أسلفنا من قبل ونحن نتحدث عن التفسير المادى للخالق .

والمقصود - من ناحية - هو مسخ الإنسان وتشويهه والهبوط به إلى الدرك الأسفل - أسفل درك يمكن أن يصل إليه - ليتحقق المخطط الكبير ، مخطط استحمار الأميين لحساب الشعب المختار .

والمقصود - من ناحية أخرى هو القول بأن هناك متناقضات متصارعة في حبة البشر على الأرض ، وأن صراع المتناقضات سيؤدى في النهاية - عن طريق التطور الحتمى - إلى الشيوعية ( وهى آخر مخترعات المخطط اليهودى بعد الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية لاستحمار الأمميين ووضعهم بصورة نهائية في قبضة الشعب المختار ) .

فإذا كان هذا هو المقصود ، فلنقل إذن إن الإنسان مادة ، وإن التناقض والتطور من قوانين المادة ، وإن قوانين المادة تنطبق على الإنسان ، وإن التناقض وصراع المتناقضات حادث في عالم الإنسان ، ومؤد في النهاية - عن طريق التطور الحتمى - إلى الشيوعية !

(1) يقول الشيوعيون ذلك لا إيمانا حقيقيا بتلك الحقيقة ، ولكن لنيفوا فقط أولهية الله لهذا الكون وكل ما فيه بما في ذلك الإنسان ، فإذا أخرجوا الإنسان - بزعمهم - من مجال العبودية لله بقولهم إن الإنسان سيد هذا الكون ، عادوا فردوه أسفل سافلين تحكمه الحتميات ، وتمرغه المادة في الوحل ! ولكننا نأخذهم بكلامهم على أى حال !

وهى كما ترى لفة طويلة ما كان الشيوعيون أنفسهم في حاجة إليها - حتى وهم يريدون أن يسوقوا الناس إلى الشيوعية - فقد كان يكفيهم لهدفهم الأخير أن يقولوا إن الحياة البشرية مليئة بالمتناقضات التى يصارع بعضها بعضا ، وإن هذا الصراع لابد أ، يؤدى في نهاية المطاف إلى غلبة الشيوعية وتحول البشر كلها إليها .

كان هذا يكفى .. لولا أن الهدف الأول - كما قلنا - هو مسخ الإنسان والهبوط به إلى الدرك الأسفل ، فلزم أن يلحق الإنسان بالمادة ويرتبط بقوانين المادة خشية أن ينفلت ذات يوم من القبضة الشريرة إذا بقيت له صفة الأدمية ، ومن صفات الأدمية حرية الاختيار ! وحتى لا يرتفع رأس واحد من بين الأممين يقول"أنا إنسان"!

وهذا هو المنطق الحقيقى الذى يفسر التفسير المادى للتاريخ ، حيث يعجز أى تفسير علمى عن تفسير هذا التفسير !!

إذا فهمنا ذلك"السر"لم يعد يكرثنا كثيرا أن نناقش قضية التفسير المادى للإنسان مناقشة موضوعية مطولة . لكنا نقول فقط أن"إنسانية"الإنسان لا باديته ولا حيوانيته ، أظهر من أن يجادل فيها المجادلون .. ولكنه الهوى الذى يتخذ الزى العلمى المزيف: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [سورة المؤمنون 23/71]

ولقد كان دارون هو الذى وجه اللطمة الكبرى لإنسانية الإنسان حين زعم أنه حيوان ، وأنه نهاية سلسلة التطور الحيوانى بلا زيادة ، فاليوم ينقض العلم الداروينى ذاته مقالة دارون ، ويؤك على إنسانية الإنسان .

يقول"جوليان هكسلى: وهو عالم داروينى ملحد متبجج بالكفر ، في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Mode r n Wo r ld""

"وبعد نظرية دارون لم يعد الإنسان مستطيعا تجنب اعتبار نفسه حيوانا ، ولكنه بدأ يرى نفسه حيوانا غريبا جديا . وفى حالات كثيرة لا مثيل له . ولا يزال تحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية غير تام ."

"وأولى خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحا . قدرته على التفكير التصويرى ، وإذا كنت تفضل استخدام عبارات موضوعية ، فقل: استخدامه الكلام الواضح ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت