فهرس الكتاب

الصفحة 17055 من 27364

"ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة ، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة ."

"ومن أهم نتائج تزايد التقاليد - أو إذا شئت - من أهم مظاهره الحقيقية ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات ."

"وإن التقاليد والعدد لهى الخواص التى هيأت للإنسان مركز السيادة بين الكائنات الحية .. وهذه السيادة البيولوجية في الوقت الحاضر خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة .. ولم يتكاثر الإنسان فحسب ، بل تطور ، ومد نفوذه ، وزاد من تنوع سبله في الحياة ."

"وهكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان . ومع ذلك هناك فروق ، وفروق هامة بعض الشئ ، بالنسبة لنظريتنا العامة ، فمن وجهة النظر البيولوجية لم تخلق الحيوانات الأخرى لخدمة الإنسان ، ولكن الإنسان تطور بصورة مكنته من التخلص من بعض الأنواع المنافسة ، ومن استبعاد أنواع أخرى بالاستئناس ، ومن تعديل الأحوال الطبيعية والبيولوجية في معظم أجزاء اليابس من الكرة الأرضية . ولم تكن وجهة النظر الدينية صحيحة في تفاصيلها أو في كثير مما تتضمنه ولكن كان لها أساس جيولوجى متين (1) "

"ولقد أدى الكلام والتقاليد والعدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى ، التى لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى .. ومعظمها واضح معروف ، ولذلك أرى عدم التعرض لها حتى انتهى من التحدث عن الخواص غير المعروفة كثيرا ، لأن الجنس البشرى - كنوع - فريد في صفاته البيولوجية الخالصة . ولم تلق تلك الصفات من العناية ما تستحق ، سواء من وجهة نظر علم الحيوان ، أو من وجهة نظر علم الاجتماع ."

".. وأخيرا فإن الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره ."

"وإن خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حى مسيطر لهى التفكير المعنوى .."

"يجب ألا يعزب عن بالنا أن الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما يظن عادة ."

".. ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى - سيكلوجية - يتناساها رجال الفلسفة العقلية .. والإنسان فريد أيضا في بعضها . وقد أدت هذه المرونة مثلا إلى حقيقة أن الإنسان هو الكائن الحى الوحيد الذى لابد أن يتعرض للصراع النفسى ."

".. وفى الحقيقة إن منع النزاع بين طرق العمل المتعارضة لظاهرة عامة جدا ، وذات منفعة بيولوجية ، وهى ليست إلا خاصية العقل البشرى الذى مكن الإنسان من التخلص من هذا النزاع ."

". وعندما نصل إلى المستوى الإنسان نجد تعقيدات جديدة ، لأن من خصائص الإنسان كما رأينا التغلب على شدة الغريزة ."

(1) جوليان هكسلى عالم ملحد ، لا يقر بوجود الله ، وهو يرى الحق أمامه ويكاد يسلم به ، ولكن تأخذه العزة بالاثم فيحاول النكوص عما يفرضه الحق الواضح المبين ، ولكن يكفى على أى حال أن يقر بأن وجهة النظر الدينية لها أساس جيولوجى متين ، فما ينتظر ن رجل ملحد أن يذهب إلى أبعد من هذا المدى في الاعتراف بحقائق الدين .

".. وهذه الخواص التى أمتاز بها الإنسان - والتى يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية - تنشأ ن خاصة أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:"

"الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام ."

"الثانية: التوحيد النسبى لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان ."

"الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة ( الجماعة الدينية ) وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها ."

".. ولكن لا يكفى هنا أن نحصى بعض أوجه النشاط .. ففى الحقيقة أن معظم أوجه نشاط الإنسان وخواصه نتائج ثانوية لخواصه الأصلية . ولذلك فهى مثلها فذة من الناحية البيولوجية"

"ثم إن التخاطب والألعاب المتظلمة والتعليم والعمل بأجر وفلاحة البساتين والمسرح والضمير والواجب والخطيئة والذلة والرذيلة والندم ، كلها نتائج ثانوية ( لخصائصه الأصلية ) والصعوبة في الواقع هى إيجاد نشاط للإنسان لا يكون فريدا .. بل إن الصفات الأساسية البيولوجية مثل الأكل والنوم والاختلاط الجنسى زينها الإنسان بكل المحسنات الفريدة ."

"وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد .. وبذلك قد يكون الإنسان فريدا في أحواله أكثر مما نظن الآن (1) "

ويقول رينيه دوبو في كتابه"إنسانية الإنسان" ( ترجمة نبيل صبحى الطويل ص 138 - 139 من الترجمة العربية ) :

"وأكثر السلوك في الحيوانات بما فيها العليا غريزى لا صلة له بالعقل والحجى ، ومن النادر - إن لم يكن من المستحيل - أن تجد هذا السلوك متوجها نحو المستقبل البعيد الذى يحاول الحيوان التكهن به والسعى لإيجاده . وبالمقابل فإن ردود فعل الإنسان لأكثر الإشارات المحيطية تتأثر بعمق بتكهناته عن المستقبل ، سواء كانت هذه التكهنات مبنية على الخوف أو الحقائق المعلومة أو الرغبة في الإنجاز ، أو فقط على الآمال الحالمة ، والحقيقة أن ميل الإنسان لتخيل الأشياء التى لم تجد بعد ، أو التى لن تقع بدون إرادة وعمل حر يقوم به ، هى الناحية البارزة التى تميزه بوضوح تام عن الحيوان ، وهى التى تسهم كثيرا في تعقيد بنيته النفسية التى أعيت الأطباء ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت