فهرس الكتاب
"تبدأ النظرية المادية من المبدأ الآتى: وهو أن الإنتاج وما يصاحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذى يقول عليه كل نظام اجتماعى . فحسب هذه النظرية نجد أن الأسباب النهائية لكافة التغيرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس ، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين ، وإنما التغييرات التى تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل" ( فردريك إنجلز ) .
وهما قولتان واضحتا الدلالة في أن الأصل في اعتبارهم ليس هو"إنسانية"الإنسان ، ولا القيم المعنوية التى ينبغى أن تقوم عليها حياته . إنما هو الوضع المادى والاقتصادى الذى يكون الناس عليه ، لأن هذا الوضع هو الذى يحدد مشاعر الناس وأفكارهم وعقائدهم ، كما يحدد نوع المؤسسات التى تقوم في حياتهم ووظيفة كل واحدة من هذه المؤسسات .
ومن خلال تفسيرهم للتاريخ البشرى يتبدى مدى تعمق هذه الفكرة في تصورهم .
فالشيوعية الأولى - كما يصفونها (1) حالة من الهدوء والاستقرار والسعادة والتعاون الأخوى . وهى كلها قيم معنوية سببها الوحيد هو عدم وجود ملكية فردية ، وقيام الحياة على الملكية الجماعية أو المشاعية ، وهو سبب اقتصادى بحت .
وتحول نظام الأسرة من التبعية للأم إلى التبعية للأب ، ومن ثم سيطرة الأب على الأسرة بجميع أفرادها من زوجة وأطفال ، يرجع إلى سبب اقتصادى مادى بحت هو ظهور الملكية الفردية مع اكتشاف الزراعة واكتشاف الرجل أنه يمكن أن يورث أبناءه مما يملكه !
وتحول البشرية من حالة الشيوعية الأولى إلى الرق يرجع إلى ذات السبب الاقتصادى المادى وهو اكتشاف الزراعة ونشأة الملكية الفردية ، فعندئذ استرقت القبائل القوية القبائل الضعيفة وأجبرتها على العمل في الأرض لحسابها .
وتحول الناس من الرق إلى الإقطاع سببه هو اكتشاف المحراث - وهو سبب مادى ترتبت عليه نتائج اقتصادية - إذا اكتشف الإنسان أنه يستطيع باستخدام المحراث أن يزرع مساحة أكبر بكثير مما كان يزرعه بالأدوات البدائية السابقة ، فنشأت المزارع الكبيرة التى يستخدم فيها رجل واحد مجموعة كبيرة من البشر عبيدا للأرض أو إجراء يعملون لحسابه ويكونون تحت سيطرته .
وتحول الناس من الإقطاع للرأسمالية سببه هو اختراع الآلة - وهو كذلك سبب مادى ترتبت عليه نتائج اقتصادية - فقد تحولت الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية رأسمالية ، وصار صاحب رأس المال يستخدم مجموعة كبيرة من البشر أجراء - بأجر ضئيل - يعملون لحسابه ، وينتجون إنتاجا يستولى عليه هو ويربح من بيعه أرباحا طائلة يزيد بها رأس ماله وقدرته على استخدام الأجراء لحسابه .
وتحول الناس أخيرا إلى الشيوعية سببه الصراع بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال على ملكية الإنتاج - وهو سبب اقتصادى بحت - وينتهى ذلك الصراع بالقضاء على طبقة الرأسماليين وحلول العمال محلهم في الملكية والسيطرة جميعا .
(1) سنتحدث عن الشيوعية الأولى فيما بعد .
وبالإضافة إلى هذه الخطوط العريضة في حياة البشرية ، التى ترجع كلها - في اعتبارهم- إلى أسباب مادية واقتصادية بحتة ، فإن الخطوط الأكثر دقة ترجع كلها كذلك إلى أسباب مادية واقتصادية .
فوجود الدين في المرحلة الاقطاعية وضعفه وتقلصه في المرحلة الرأسمالية والشيوعية سببه أن طبيعة الإنتاج في العهد الإقطاعى - أى الإنتاج الزراعى - تجعل الإنسان متدينا ، لأن الإنسان لا يملك - في العملية الزراعية - إلا وضع البذور في الأرض وتغذيتها بالماء والأسمدة ، ولكنه لا يملك إنبات البذرة ولا استعجال نموها ولا حماية المحاصيل من عوارض الجو والآفات ، فيتوهم - أو يفترض - وجود قوة خفية ( غيبية ) ينسب إليها القدرة على كل العمليات التى لا يقدر هو عليها من إنبات وإنماء وحماية ، ويروح يتعبدها ويتقرب إليها بالقرابين لكى ترضى عنه وتحفظ له محصوله الذى يعيش عليه .. بينما لا تحتاج طبيعة الإنتاج في المرحلة الرأسمالية والشيوعية إلى افتراض تلك القوة الخفية الغيبية . لأنه إنتاج صناعى . يسيطر العامل فيه على عملية الإنتاج من أولها إلى آخرها ، ولي فيها جانب خفى كعملية الإنبات والإنماء ، ولا جانب خارج عن قدرة العامل كالعوارض الجوية والآفات ، ومن ثم لا يحتاج الإنسان إلى عبادة شء خارج عن نطاق الإنسان ،فيتضاءل وجود الدين حتى ينتهى تماما في النهاية .