فهرس الكتاب

الصفحة 17059 من 27364

وإذا كان فرويد قد رد القيم كلها إلى الجنس ليحقرها ويذهب عنها مالها في نفوس الناس من توقير وإعجاب وتطلع ، فإن ماركس وأصحابه قد ردوها إلى القيم المادية والأوضاع الاقتصادية لذات الغاية .. فمعلوم أن الناس تحتقر القيم المادية ولو شغلت بها في حياتها الواقعية مشغلة كاملة ! فيجئ ماركس فيرد إليها القيم العليا كلها فيذهب التوقير عنها في التو ويذهب الإعجاب والتطلع ، وتفرع من مضمونها الحيقى وتصبح صورة شاحبة لا يتعلق بها قلب ولا ترتبط بها مشاعر ! ويصبح التوقير والتعلق كله موجها إلى القيم المادية والأوضاع المادية ، وما أضيق النفس حين تنحصر في هذا المحيط الضيق ، وما أخسرها حين تغلق كل منافذ النور ، وتفتح ذلك المنفذ الواحد الذى يتعامل مع الإنسان الطينى وحده ، ولا يتعامل مع الإنسان المتكامل الذى خلقه الله من قبضة من طين الأرض ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه لتسجد له الملائكة الأطهار !

3-نفى وجود قيم ثابتة بحكم التطور الذى يغير القيم كلها كلما تغير الوضع المادى والاقتصادى:

لم يكتف الماديون في تحقير القيم الإسنانية بقولتهم السابقة ، التى تنفى الأصالة عنها وتجعلها مجرد انعكاس لقيم أخرى - مادية - بل مضوا شوطا آخر في تحقيرها فقالو إنها ليست ثابت ، إنما هى دائمة التغير كلما تغير الوضع المادى والاقتصادى ‍!

بمعنى آخر: يا أيها المثاليون المغفلون (1) ! إنكم تبحثون عن سراب لا وجود له في الحقيقة ، حين تتكلمون عن الحق ، والعدل ، والخير ، والفضيلة ، والجمال والصدق ، والأمانة .. الخ .. إنها كلمات جوفاء يملؤها كل جيل بما يحلو له ، ولكنها هى في ذاتها ليست شيئا ثابتا محددا يمكن التعرف عليه !

هنا يذكرنا ماركس بدور كايم !

العقل الجمعى هو الذى يضع القيم والنظم والتقاليد والأخلاق .. وهو لا يثبت على حال ، يحل اليوم ما حرمه بالأمس ، ويحرم غدا ما يحله اليوم !

نفس الهدف ونفس الوسيلة .. كل في اختصاص من اختصاصا"العلم"!

فالعلم الماركسى يقول إنه كلما تغير الوضع المادى أو الاقتصادى تغيرت معه جميع القيم وجميع المعايير .

تغيرت صورة الملكية من ملكية جماعية في الشيوعية الأولى إلى ملكية فردية ، فنشأ الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية ، وكان كل منها - في حينه - صوابا ! لأنه هو الاستجابة الطبيعية للوضع المادى والاقتصادى .. الاستجابة التى لا يمكن أن يوجد غيرها ، لأنها انعكاس"حتمى"للأوضاع"، ومن ثم فلا ينبغى أن توصف بالخير أو الشر ، ولا ينبغى أن ينظر إليها أصلا من زاوية خلقية ولا بمعيار خلقى ثابت ! إنما مقياس كل شئ هو ذاته .. ووجود الشئ بالفعل هو مبرر وجوده ! ثم يتغير كل شئ حين يتغير الوضع المادى والاقتصادى فيصبح الوضع السابق خطأ بعد أن كان صوابا ! وتصبح محاربته واجبة بعد أن كانت قبل ذلك غير ذات موضوع !"

وأخلاقيات الإقطاع - مثلا - من التدين وسيطرة الأب على الأسرة ، والمحافظة على العفة والغيرة على العرض ، وترابط الأسرة ، والتعاون الجماعى .. كلها أخلاقيات نابعة من الوضع المادى والاقتصادى ومتناسبة معه ، ولكنها ليست قيما قائمة بذاتها توصف بأنها خير ويوصف عكسها بأنه شر .. إنما هى فقط صواب في وقتها لأنها هى الاستجابة الطبيعية للوضع المادى والاقتصادى .. ثم إنها تصبح بعد ذلك خطأ ، أو تصبح غير ذات موضوع حين تجئ الرأسمالية ويتكون المجتمع الصناعى"المتطور"! بل تصبح رجعية وجودا وتأخرا تنبغى محاربته والتحرر منه ، لأنها لم تعد تستجيب للأوضاع الاقتصادية الجديدة ، التى هى المعيار الوحيد الذى تقاس إليه الأمور .

(1) يستخدم الماديون كلمة المثالية في الذم لا ى المديح ويقصدون بها الأشياء التى لا يمكن تحقيقها في الواقع ومن ثم فهى سخف لا ينبغى أن يؤبه له !

ومحاولة القول بأن الدين قيمة ذاتية ينبغى أن يوجد على الدوام ، أو أن العفة قيمة ذاتية ينبغى أن تظل قائمة في كل مجتمع هى سذاجة وغفلة ومثالية من جهة ، ومن جهة أخرى هى مخالفة لما هو كائن ولما ينبغى أن يكون ، لأنه لا وجود لمثل هذه القيم"فى ذاتها"إنما تستمد وجودها من الباعث الذى ينشئها وهو الوجود المادى والاقتصادى .. وهذا الباعث دائم التغير لم يثبت - ولا يمكن أن يثبت - على حال ، فكيف يثبت ما ينشأ عنه من قيم وأخلاقيات ؟‍!

4-السخرية بالدين:

من بين كل القيم يحظى الدين بالقسط الأكبر من سخرية الماديين الشيوعيين ، ويبو حنقهم منه واضحا وثورتهم عليه عظيمة ، ورغبتهم في تحطيمه والقضاء عليه شديدة إلى أقصى حد .

فأما أسبابه وبواعثه فهى مادية واقتصادية بحتة: الجهل بطبيعة الكون المادى ، والعجز عن السيطرة على البيئة ، لذلك كان موجودا طوال فترة الشيوعية الأولى والرق والإقطاع ، ثم خفت حدته في المجتمع الصناعى الرأسمالى لولا أن الرأسماليين - بعد الإقطاعيين - يستخدمونه مخدرا للجماهير الكادحة لكيلا تتيقظ إلى حقيقة الظلم والهوان الذى تعانيه فتتمرد عليه وتثور من أجل حقوقها المسلوبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت