فهرس الكتاب
ولقد كان"واجب الزوال"منذ بداية العهد الصناعى لزوال بواعثه المادية والاقتصادية . فمن جهة كان العلم قد بدأ يتقدم ويكشف كثيرا من مجاهيل الكون المادى التى كانت تلجئ الناس من قبل إلى افتراض وجود إله ! فأما بعد اكتشاف"قوانين الطبيعة"فلم يعد هناك مبرر للدين ، فقد حل محله العلم، ومن جهة أخرى فإن الوضع الاقتصادى الذى كان ينبعث منه سيطرة الأب في الأسرة وسيطرة السيد في المجتمع كان يتناسب كذلك مع سيطرة الرب الإله في الكون والحياة . فإذا زال هذا الوضع فنيبغى أن تزول كل آثاره ومن بينها الدين .. وعلى أى حال فإذا كانت حاجة الرأسماليين إلى تخدير الجماهير الكادحة قد عوقت زوال الدين فترة من الوقت ، فقد جاءت الشيوعية فأغلت الرأسمالية وألغت المهمة الأخيرة التى كانت باقية للدين - وهى مهمة التخدير - فأصبح - من جميع الوجوه - غير ذى موضوع ، تقدم العلم، وزادت السيطرة على البيئة ، ولم يعد الناس في حاجة إلى مخدر .. فلماذا يبقى الدين ؟!
يذكرنا هذا بقوله مماثلة"لجوليان هكسلى"فى كتاب"الإنسان في العالم الحديث".
كان الجهل والعجز هما السبب في وجود الدين . وقد تعلم الإنسان اليوم وسيطرة على البيئة ، فإن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل - في عصر الجهل والعجز - على عاتق الله ، ومن ثم يصبح هو الله !
والحق أن الدين عدو لدود للمخططين ، كما أنه عدو لدود للماديين الشيوعيين .
فأما عداوة المخططين له فأمرها ظاهر . فالعقبة الكبرى في سبيل استحمار الأممين هى أن يكونوا ذوى عقيدة وأخلاق مستمدة من الدين ، ولقد عرف اليهود ذلك خلال القرون الطويلة من حربهم الدائمة للبشرية وتربصهم بها ، وعرفوا - بالتجربة - أنه طالما كان للأمميين عقيدة وأخلاق فلا نتيجة لكل ما يبذلونه من جهد وكل ما يضعونه من تخطيط ، وعرفوا أن نجاح مخططاتهم كلها مرهون بمدى نجاحهم في القضاء على هذا العدو المرهوب .
وأما عداوة الماديين الشيوعيين (وهم جزء من المخطط الكبير ) فقد نشأت - إلى جانب اشتراكهم في السبب السابق باعتبارهم جزءا من المخطط الكبير - من تجربتهم الخاصة ، أن الدين - مع أنه في أوربا بقايا ين محرف من كل زواياه - يعوق تكوين"الحقد الطبقى"الذى هو عمادهم الأول في تحويل الناس إلى الشيوعية ! فقد عانوا في زحفهم على أوربا من أن الفلاحين بصفة خاصة لا يستجيبون لهم بالسرعة الكافية حين يحاولون تحريك"الحقد الطبقى"فى نفوسهم ، وذلك من آثار بقايا الدين في نفوسهم ، وأن الكنيسة - ممثلة الدين - وقفت في صف الإقطاعيين والرأسماليين ضد الدعوة الشيوعية ، مستعينة بالدين فى"تخدير"الجماهير عن الثورة ، وإزالة الحقد الطبقى أوتأخير تجمعه في النفوس ليكون وقواد للثورة .
من أجل ذلك"يتفنون"فى محاربة الدين بكل وسائل الحرب ، ومن بين وسائل الحرب التسخيف والتهوين والتحقير .
5-السخرية بالحق والعدل الأزليين ، والقول بخضوع الناس للحتميات المادية والاقتصادية والتاريخية:
كما يسخر الماديون بالدين ويسعون إلى تحقيره بكل الوسائل ، يسخرون كذلك"بالحق والعدل الأزليين"كما يسميهما فردريك إنجلز ، ويقولون إنهما من المثاليات التى لا وجود لها ولا تأثير لها في عالم الواقع ، وإن البشرية لم تقم قط عليهما ولا يمكن أن تقوم عليهما في يوم من الأيام !
إنما الذى يسير حياة البشرية من مبدئها إلى منتهاها هو"الحتميات"المادية والاقتصادية والتاريخية ، التى لا توصف بأنها حق ولا عدل - ولا خلاف ذلك - إنما توصف - كما أسلفنا - بأنها صواب ما دامت في موضعها التاريخى الصحيح .
ويكره الشيوعيون كراهية شديدة أن تنتقد مراحل الرق والإقطاع والرأسمالية من جهة أنها"ظلم"مخالف للحق والعدل ، أى أن أن تنتقد من منطلق أخلاقى أو أى منطلق قائم على القيم المعنوية .. ويصرون على أن ينتقد الإقطاع والرأسمالية من الزاوية الاقتصادية ومن زاوية الحتمية التاريخية .
ويعجب الإنسان أشد العجب من هذا الموقف الغريب . فهم يشنون هجوما حادا على الإقطاع والرأسمالية بصفة خاصة ، فإذا أنت شاركتهم في شن الحملة عليهما من زاويتك الخاصة ( الدينية والأخلاقية ) رفضوا رفضا باتا وجاهروك بالإنكار !
ولكن العجب يزول إذا علمنا السر في رفضهم وإبائهم . فهم بادئ ذى بدء يريدون القضاء على القيم المعنوية من منبتها . وبخاصة القيم الدينية ، فكيف يقبولن منك موقفا - ولو كان في صفهم - يرتكز على تلك القيم ويحييها في النفوس ! ! إن مجرد قبوله معناه أن لهذا المنطلق شرعية الوجود ، ومعناه الاعتراف بأنه منطلق صحيح لأنه يهاجم الظلم ويقف منه موقف المعاداة . . وأى شئ يمكن أن يقبله المخططون إلا هذا ! لأن معناه أن يوافقوا على إحياء ذات الشئ الذى يسعون إلى قتله جاهدين !
ثم إن هناك أمرا أخر لا يقل أهمية ..
إذا أنت جعلت المحك الذى تقيس إليه الإقطاع والرأسمالية هو الحق والعدل ، فماذا يكون موقفك من الشيوعية ؟ ألست قمينا أن تضعها على ذات المحل فترى أنها تخالف الحق والعدل كذلك ؟ فتروح تبحث عن حل آخر يقوم على الحق والعدل ؟ !