فهرس الكتاب
الأولى إذن أن يقفلوا عليك الطريق من أوله ، ويسخفوا لك الحق والعدل"الأزلين"ويقولوا لك إنه لا وجود لها ولا أثر لهما على الإطلاق في حياة البشرية .. إنما الذى يسير حياة البشرية هو"الحتميات"وهذه تؤدى إلى الشيوعية المطلوبة في نهاية المطاف !
ليس الأمر إذن أمر حقائق علمية أو تاريخية تقول إن الحق والعدل لا وجود لهما في حياة البشرية، وإنه ينبغى أن يسخفا ويسخر منهما ! بدليل أنهم حين يتحدثون عن الشيوعية يقولون إنها هى الحق وهى العدل ، وهى التى ينبغى أن تسود البشرية ! فهم إذن يثبتونهما ولكن بشرط أن يكونا خاليين من الدين والأخلاق .. أى في الحقيقة خاليين من الحق والعدل !
أما"الحتميات"فهى جوهر المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ .
فالمراحل الخمسة التى تمر بها البشرية وهى الشيوعية الأولى ، ثم الرق ، ثم الإقطاع ، ثم الرأسمالية، ثم الشيوعية الثانية والأخيرة .. هذه المراحل حتمية !
والانتقال من مرحلة إلى تاليتها هو انتقال حتمى كذلك ، وعلى ذات الترتيب الذى رسمه التفسير المادى للتاريخ ، لا تسبق أمة مرحلتها ولا تتأخر عنها ، لأنها قدر حتمى !
وتغير القيم والمعايير والعقائد والأفكار والمشاعر مع تغير الطور الاقتصادى هو تغير حتمى ، لا يمكن الوقوف في طريقه ولا تغيير مساره ولا تعديله ، بحكم ان القيم والمعايير والعقائد والأفكار والمشاعر هى مجرد انعكاس للوضع المادى والاقتصادى وليست شيئا قائما بذاته ،والانعكاس لابد أن يتغير حتما إذا تغير المعكوس !
ومن بين الحتميات كذلك قيام الصراع الطبقى ما دامت هناك ملكية فردية ! فحين كانت الشيوعية الأولى قائمة لم يكن هناك صراع بين البشر . ومنذ وجدت الملكية الفردية نشب الصراع ، وظل قائما في محلة الرق والإقطاع والرأسمالية ، حتى إذا جاءت الشيوعية الثانية والأخيرة وألغيت الملكية الفردية زال الصراع إلى الأبد وحل محله الحب والوفاق والوئام وعاد البشر إلى الحالة الملائكية التى كانوا عليها أول مرة .
تلك خلاصة دعاواهم في التفسير المادى للقيم الإنسانية .
فإذا وضعنا هذه الدعاوى على مائدة البحث وجدنا فيها قليلا من الحق وكثيرا من المغالطات .
فأما أهمية العامل الاقصتادى في حياة الناس فأمر لا ينبغى لعاقل أن ينكره . أما إفراده بالأهمية ، وجعله أساس كل شئ . وجعل كل شئ مجرد انعكاس له ، والقول بأنه هو المحرك الوحيد - أو حتى المحرك الأساسى - لحياة البشر ، فأمر مبالغ فيه إلى حد الاعتساف الذى يجعل جانب الحق الضئيل يضيع في وسط الأضاليل .
يقول الله سبحانه وتعالى:
{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [سورة النساء 4/5]
أى تقوم حياتكم عليها .
والتشريعات التى تنظم تداول المال في القرآن والأحاديث النبوية كثيرة بصورة ملحوظة ، توحى بأهمية الحياةب الاقتصادية وأهمية تنظيم العلاقات المتعلقة بالمال .
وحين دخل الرسو صلى الله عليه وسلم المدينة أمر ببناء المسجد ثم أمر ببناء السوق . وفى ذلك دلالة واضحة كذلك على أهمية الحياة الاقتصادية في حياة الأمة ، وأنها أمر من العبادة كبناء المسجد سواء .
ولكن المبالغة في تقدير أهميتها أمر لا يستند أولا إلى حقيقة علمية ، ثم هو مفسد للتصور وللسلوك على السواء .
فقد أحتاج الماديون - من أجل إعطاء الجانب المادى والاقتصادى أهمية مبالغا فيها - إلى مجموعة من المغالطات والافتراءات لا تقوم على أى دليل علمى ، أولها مادية الخالق وثانيها مادية الإنسان .
فإذا ثبت علميا - كما ثبت اليوم - أن المادة حدثتن ولم تكن موجودة من قبل ، وإنها ليست أزلية أبدية كما زعم التفسير المادى للتاريخ ، فقد انهار الأساس الأول الذى افترة افتراء من اجل إقامة التفسير المادى للقيم الإنسانية .
وإذا ثبت علميا - كما هو ثابت منذ قيام شئ اسمه العلم في حياة الإنسان - أن الكائن الحى - كل كائن حى بله الإنسان - يسير على نمط مخالف للمادة غير الحية ، وإذا ثبت علميا كذلك - كما هو ثابت من أبحاث الداروينية الحديثة ذاتها - أن الإنسان متفرد عن الحيوان حتى في كيانه الحيوى ( البيولوجى ) البحت ، فضلا عن كيانه العقلى وكيانه النفسى وكيانه الروحى وكل شئ فيه ، فقد انهار الأساس الآخر الذى افترى افتراء من أجل الهدف ذاته .
وإذا علمنا أن قصة"تطور"المادة إن هى إلا مهرب - غير علمى - يهرب به الماديون من مواجهة القضية خلق الحياة من الموات ، فضلا عما أثبته العلم من أن الموات ذات مخلوق ، وأن الكون المادى قد أنشئ من غير وجود سابق . أى أنشئ من العدمن .
إذا علمنا ذلك فقد انهارت كل"مقومات"التفسير المادى للقيم الإنسانية القائمة على أساس أن المادى أزلية أبدية خالقة ( أو متطورة ينتج من تطورها النبات والحيوان والإنسان ) وأن الإنسان هو نتاج المادة فحسب .
والتفسير الأصوب فيما يتعلق بالقيم الإنسانية والحياة الإنسانية بأسرها هو أن نرجع فيها إلى"الإنسان"إلى النفس الإنسانية التى هى محور النشاط كله الذى يقوم به الإنسان .