فهرس الكتاب

الصفحة 17062 من 27364

فإذا رجعنا إلى الإنسان كما نراه في عالم الواقع لا في صورته المفتراة بغير دليل نفسه مساحات أخرى واسعة لا يشغلها الاقتصاد ، وإنما تشغلها قيم أخرى أصيلة أصالة المادة وأصالة الاقتصاد ، وسنجد كذلك ظاهرة أخرى لا تقل عن ذلك أهمية ، هى أن الإنسان وحدة متكاملة ، تتفاعل فيها كل العناصر والمكونات لتعطى في النهاية تعبيرا شاملا هو محصلة العناصر جميعا والمكونات جميعا . وأن أى محاولة لتفسير الإنسان بعنصر واحد من عناصره ، أو على ضوء عنصر واحد من عناصره ، هى محاولة ساذجة جدا لا تليق بأى"نظرية"تتعرض لتفسير السلوك البشرى ، وأن"العلماء"الذين يستحقون هذا الوصف ينبغى أن يكونوا أثقل وزنا وأكثر أمانة من أن يعطوا هذه التفسيرات الساذجة ، مهما تكن الأغراض الخفية الكامنة وراء هذه التفسيرات .

وسواء كان العنصر الواحد هو الاقتصاد كما قال ماركس ، أو هو الجنس كما قال فرويد ، أو العقل للجمعى المسيطر على الأفراد من خارج كيانهم كما قال دور كايم ، فكلها أضأل وأكذب م أن تفسر الحياة الإنسانية الواسعة الجوانب المتعددة ألوان النشاط ، ويكفى أن نجمع هذه التفسيرات الثلاثة بعضها إلى جانب بعض ليتضح لنا أن دعوى كل واحد منهم أن تفسيره هو التفسير"العلمى"الصحيح هى دعوى كاذبة وإن اشتملت على شئ من الحق ، فالاقتصاد جانب مهم ، والجنس جانب مهم ، وخضوع الفرد للتيارات الجماعية جانب مهم ، ولكن أيا منها لا يستقل وحده بتوجيه ، الإنسان"ووضع معاييره وقيمة كلها جميعا ، وأن التفسير الحق للإنسان ونشاطه وقيمه يشمل هذه الأمور الثلاثة كلها ، ويشمل غيرها مما أغفله - عمدا - كل واحد من"المفسرين"الثلاثة العظام ! وأننا - لكى ننشئ تفسيرا حقيقيا للحياة الإنسانية - لا ينبغى أن نغفل شيئا من مكونا الإنسان على الإطلاق ، أو أن نفسر شيئا أصيلا في حياة الإنسان من خلال شئ آخر ."

ماذا لو فسرنا الجنس - مثلا - من خلال الاقتصاد ، فعزونا المشاعر الجنسية إلى عوامل اقتصادية ؟ ! أى تفسير مضحك يكون هذا التفسير ؟ !

كذلك لو فسرنا الاقتصاد من خلال الجنسي ، فقلنا إن الدافع الجنسى هو السبب في جميع العمليات الاقتصادية التى يقوم بها الإنسان ؟ !

أى تفسير مضحك يكون هذا التفسير ؟ !

والسبب في كونه مضحك وساذجا ومرفوضا بادئ ذى بدء هو أن كلا من الاقتصاد والجنس عنصر أصيل في كيان الإنسان على ذات الدرجة من الأصالة . فنفى أصالة أيهما وتفسيره من خلال الآخر هو الذى ينش تلك السذاجة المضحكة ، مع أن هناك ترابطا وتشابكا لا شك فيه بين الاقتصاد والجنس في حياة الإنسان ، ذلك أنهما - مع أصالة كل منهما - يصبان في المجرى الكبير الذى يشكل في النهاية حياة الإنسان . ولكن ترابطهما وتشابكهما في المجرى الكبير لا ينفى أن كلا منهما رافد مستقل ذو سمات قائمة بذاتها وذو دفعات قائمة بذاتها .

كذلك - على نفس المستوى - تكون محاولتنا تفسير الدين والقيم العليا كلها على أسس مادية اقتصادية كما يقول ماركس ، أو أس جنسية كما يقول فرويد ، أو أسس من العقل الجمعى المستقل عن كيان الأفراد والمغاير لكيان الأفراد كما يقول دور كايم .

هى محاولة ساذجة مضحكة ولو ألف فيها ألف كتاب ، ولو قامت الأبواق اليهودية تروج لها من خلال ألوف الأفواه !

"النفس الإنسانية"هى الأصل الذى نرجع إليه لتفسير أحوال الإنسان في الأرض ، وتفسير ألوان نشاطه المختلفة .

وكون هذهن"النفس"قابلة لتشكل في أشكال شتى لا يعنى أنه ليس لها كيان محدد ، ولا حدود تقف عندا في تشكلها . إنما هذه المرونة في قابليتها للتشكل هى ذاتها جزء من مقومات الخلافة التى خلق الله الإنسان ليقوم بها في الأرض.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/30]

فقد علم الخالق اللطيف الخبير الحكيم المدبر - لا ذلك الخالق الأصم الذى يدعيه الماديون ، ولا ذلك الذى يخبط خبط عشواء الذى يدعيه دارون - أن تفاعل هذه النفس البشرية مع الكون المادى سينشئ أشكالا مختلفة من الحياة في الأرض ، بحسب درجة علم الإنسان بهذا الكون المادى ، ودرجة سيطرته عليه . وقدرته على استخراج طاقاته واستخدامها في عمارة الأرض ، لذلك جعل - بحكمته - هذه النفس قابلة للتشكل لتوائم تلك الأشكال المتغيرة ، بينما الحيوان والنبات أقل قدرة بكثير على التشكل لأنه لا يحمل أمانة ولا يقوم بخلافة ولا عمارة .

أفينقلب هذا التكريم الربانى والتفضيل إلى نقيصة يوصم بها الإنسان في التفسير المادى للتاريخ ، فيقال ، إنه لا"كيان"لهذه النفس البشرية ولا سمات محددة ، وإنها تأخذ سمتها من الوضع المادى الذى تكون فيه ؟

إن الحمار لا يمكن إلا أن يكون حمارا مهما أوقعت عليه من الضغوط لتغيير طبيعته ! أفيكون الإنسان أقل أصالة من الحمار في عرف التفسير المادى للتاريخ ، في الوقت الذى يزعمون فيه أنه"أعلى تطور في عالم المادة"؟ !

إن قضية أصالة"الإنسان"، ووجود سمات أصيلة فيه تحدد طبيعته"الإنسانية"هى قضية فوق الشك ، أيا كان المدخل الذى ندخل إليها منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت