فهرس الكتاب

الصفحة 17063 من 27364

ولكنا نختار ثلاث مداخل رئيسية مما يناسب هذا البحث:

أولا: هل التغير الذى يحدث في حياة الإنسان حين تتغير أوضاعه المادية والاقتصادية هو تغير فى"القشرة"السياسية والاقتصادية والاجتماعية أم تغير فى"جوهر"الإنسان ؟

ثانيا: لماذا يثور الإنسان بين الحين والحين ؟ وعلى أى شئ يثور ؟ وإلى أى شئ يهدف من ثورته ؟

ثالثا: لماذا تظهر عليه أعراض امرض النفسى حين يتناول غذاء"حاضريا"لا يناسب طبيعته ؟

فبالنسبة للقضية الأولى نجد بادئ ذى بدء أن دواعى التغيير المادى ذاتها نابعة من"نفس"الإنسان وليست نابعة من المادة المحيطة بالإنسان ، فهذه المادة - بمعنى الكون المادى على اتساعه وبمعنى البيئة القريبة المحيطة - موجودة بالنسبة للحيوان كوجودها بالنسبة للإنسان على السواء . فلماذا لا تثير بالنسبة للحيوان الرغبة في التعرف على خواص المادة والرغبة في استخدام حصيلة المعرفة في تغيير البيئة المحيطة ، بينما تثير هاتين الرغبتين بالنسبة للإنسان ؟

هل الفرق كائن في المادة أم إنه كائن في الإنسان ؟ ! وإذا كان كائنا في الإنسا كما هو بدهى ، أفليس هذا خطا ثابتا من خطوط النفس البشرية يحدد سمة من سماتها الأصيلة التى لا تتغير بتغير"القشرة"الخارجية ولا بتغير الظروف المادية والاقتصادية ؟

صحيح أن حصيلة التفاعل المستمر بين الإنسان والمادة المحيطة به تحدث تغييرا في البيئة وتغييرا في صورة الإنتاج ، فيصبح رعويا أو زراعيا أو صناعية أو .. ؟ ولكن كم يغير هذا التغيير من طبيعة الإنسان الأصيلة ؟

نترك مؤقتا قضية الملكية الفردية لأننا سنفردها بحديث خاص ، نثبت فيه من واقع التطبيق الشيوعى ذاته أن نزعة الملكية الفردية لم تمت في نفوس الناس ولا أمكن إحلال الملكية الجماعية محلها . ونشير إلى بقية الدوافع .

هل تغيرت دوافع الإنسان الأصيلة ؟ حبه للحياة .. رغبته في المتاع . رغبته في الجنس .. رغبته في البروز وإثبات الذات .. رغبته في المعرفة .. رغبته في إطالة عمره على الأرض .. رغبته في السيطرة على البيئة .. رغبته في الاجتماع بالآخرين .. رغبته في الانتماء .. رغبته في التحسين المستمر لأحواله .. رغبته في الأمن .. رغبته في الاستقرار رغبته في الذرية ..

نعم ، تغيرت الصورة التى يحقق بها هذه الدوافع ، ولكن هل تغيرت طبيعة الدوافع ؟

إنه من السذاجة غير"العلمية"أن ينظر الإنسان إلى تغير الصورة فينسى ثبات الجوهر (1)

ونعود إلى النص الذى نقلناه عن رينيه دوبو في كتاب"إنسانية الإنسان"ص 71 من الترجمة العربية .

عاش رجل"كروماغنون C r o - Magnon"فى أكثر أنحاء أوربا قبل حوالى ثلاثين ألف سنة ، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة ، ومع أنه كان صياد بصورة رئيسية كان - على ما يظهر - مشابها لنا جسما وعقلا ، فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن ، وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا ، والعناية التى كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما بالاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته ، وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة أن الخواص الأساسية للجنس البشرى لم تتغير منذ العصر الحجرى (2)

(1) أنظر - إن شئت - حديثا مفصلا في هذا الموضوع في كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية ."

(2) ترجمة الدكتور نبيل صبحى الطويل طبع مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى سنة 1979

فتغير"القشرة"السياسية والاقتصادية والاجتماعية للإنسان - حتى إن سلمنا جدلا أنه ينبع من التغير المادى وحده ، ونحن لا نسلم بذلك - لا يعنى أنه أصبح إنسانا آخر . ولا يعنى أن الإنسان الرعوى غير الإنسان الزراعى غير الإنسان الصناعى من حيث الجوهر .

وليس معنى ذلك - من جهة أخرى - أن أى نظام مثل أى نظام آخر ، وأنه لا يختلف حال الإنسان أى اختلاف بتغير النظم عليه . كلا ! ما نقصد ذلك ولكنا نريد أن نؤكد أنه ليس الوضع المادى هو الذى يحدث التغيير الجوهرى في حياة الإنسان ، أو هو المعيار الذى تقوم به حياته .

إنما يحدث تغير جوهرى في حياة الإنسان بحسب معيار آخر مختلف تماما . هو نوع العبادة التى يعبدها . ونوع التشريع الذى ينظم حياته ، هلى يعبد الله الحق أم يعبد آلهة زائفة ، وهل يتحاكم إلى شريعة الله أم إلى شرائع جاهلية من صنع البشر .

ذلك هم الذى يحدث التغيير الجوهرى في حياته ، سواء كان في الحالة الرعوية أو الحالة الزراعية أو الحالة الصناعية أو الحالة الذرية ( إن كانت هذه تعتبر تحولا في طريقة الإنتاج على المدى البعيد ! ) أو في أى حالة من الحالات المادية على الإطلاق . والسبب في ذلك أن الإنسان - بخلقته - ذو طريقين مختلفين كل الاختلاف من حيث الأسباب والنتائج والوسائل والأهداف .

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/7-10]

{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) } [سورة البلد 90/10]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت