فهرس الكتاب
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) } [سورة الإنسان 76/3]
وهو في الوضع السوى حين يعبد الله وحده ويحكم شريعته ، وفى الوضع المقلوب حين يعبد غير الله ويحكم شريعة غير شريعة الله ، ولا يستوى الوضع السوى بطبيعة الحال مع الوضع المقلوب ، والفارق بينهما فارق جذرى وجوهرى ، أما التغيرات المادية والاقتصادية فهى تغير الصورة نعم ، ولكنها لا تغير الجوهر .
ومن هنا يكون للبشرية - في كل أوضاعها المادية والاقتصادية - حالتان اثنتان فحسب ، إما سوية معتدلة وإما مقلوبة ،بصرف النظر عن الوضع المادى والاقتصادى ذاته ، أى أنه يكون رعويا في حالة اعتدال أو رعويا على الوضع المقلوب . ويكون زراعيا في حالة اعتدال أو زراعيا على الوضع المقلوب ، ويكون صناعيا في حالة اعتدال أو صناعيا على الوضع المقلوب ، ويكون ما شاء الله أن يكون من الأوضاع المادية والاقتصادية على حالتين اثنتين: مهتديا فتستقيم حياته ، أو ضالا فتضطرب حياته وتختل .
والذى درسته المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ هو خط الضلال البشرى من الشيوعية الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية - كما سنشير فيما بعد - ولم يدرسا قط خط الإيمان التاريخى سواء عن عمد أو غير عمد (1) لذلك التفت التفسير المادى للتاريخ إلى التغيرات الجزئية التى حدثت في الانتقال من كل طور اقتصادى إلى الطور الذى تلاه ، وركز عليها ، وضخمها ، حتى بدت اختلافات جوهرية في حياة الإنسان ! والسبب في ذلك أنه لم يقارن أبدا بين الصورتين المتغايرتين تغايرا جوهريا صورة الإيمان وصورة الضلال على جميع الأطوار المادية والاقتصادية ، إذن لتبين له أن الفوارق الحقيقية ليست قائمة بين الاقتصاد الرعوى والاقتصاد الزراعى والاقتصاد الصناعى ، إنما هى بين الاقتصاد الرعوى - والحياة الرعوية بجملتها - على خط الإيمان وعلى خط الضلال ، والاقتصاد الزراعى - والحياة الزراعية بجملتها - على خط الإيمان وعلى خط الضلال ، والاقتصاد الصناعى - والحياة الصناعية بجملتها - على خط الإيمان وعلى خط الضلال . ولتبين له كذلك أن الحياة بجملتها على خط الإيمان - في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية - ذات سمات أساسية مشتركة ، هى قيامها على الحق والعدل والترابط الإنسانى والأخوة وغلبة المحبة على الصراع 0 مهما يكن في داخلها من هزات واضطرابات ناشئة من إخفاق الناس في تطبيق المنهج الربانى بالصورة الواجبة ) وإن الحياة بجملتها على خط الضلال - في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية - ذات السمات اساسية مشتركة . هى قيامها على الظلم والطغيان والصراع على متاع الأرض القريب .
القضية الثانية ، أو المدخل الثانى لقضية أصالة الإنسان ووجود سمات جوهرية أصيلة فيه لا تتغير بتغير الوضع المادى والاقتصادى هو ظاهرة الثورات في التاريخ البشري .
لماذا يثور الإنسان إذا لم يكن له كيان أصيل ينبغى أن يكون عليه ؟
بعبارة أخرى: إذا كان الإنسان قابلا للتشكل الدائم بحسب الوضع المادى والاقتصادى دون أن يكون له شكل ثابت أو حدود ثابتة يجرع إليها ، فلماذا يثور على أى وضع من الأوضاع يكون قد تشكل به في أثناء رحلته التاريخية على الأرض ؟
(1) نقول نحن إنه عن عمد . ولكن يستوى في النتائج أن يكون عن جهل أو عن عمد .
يقول التفسير المادى للتاريخ - ويحسب أنه قد حل القضية بذلك - إن الحتمية المادية والحتمية الاقتصادية والحتمية التاريخية هى الجواب ! وهى التى تفسر سبب الثورات . فإنه إذا انتهى الدور التاريخى لأى طور من الأطوار الاقتصادية ووصل الصراع الطبقى إلى درجة"النضوج"حسب الحتمية التاريخية والحتمية المادية والاقتصادية . أى بمقتضى الحركة التاريخية للمادية الجدلية .. إذا حدث ذلك كله حدثت الثورة التى تهدم النظام المنهزم - ماديا واقتصاديا وتاريخيا - وتشيد النظام المنتصر - ماديا واقتصادية وتاريخيا - وتمكن له في الأرض .
وببساطة نقول: إن هذا لا يفسر كل الثورات التى حدثت في التاريخ . ودع جانبا الآن ظهور الإسلام وتمكنه في رقعة فسيحة من الأرض ورقعة فسيحة من التاريخ ، فسنفرد له حديثا في الرد على التفسير المادى بجملته . ولكنا نستشهد عليهم من نظريتهم !
فهم يقولون إن الثورات الناجحة هى التى توافق سير الحتمية التاريخية فتأتى في إبانها الصحيح ، وتكون متوافقة مع الظروف - أو الحتميات - المادية والاقتصادية ويكون الصراع الطبقى فيها قد نضج إلى الحد الذى ينجح الثورة أما الثورات التى لا توافق خط سير هذه الحتميات ، ولا يكون الصراع الطبقى فيها قد نضج إلى الحد المعقول ، فإنها تفشل مهما بذل فيها من الضحايا !
يا سبحان الله ! إذن فليس السبب في قيام الثورات هو هذه الحتميات ! إنما التوافق مع هذه الحتميات - كما يقولون - هو الذى يؤدى إلى نجاح الثورة ، أما قيامها فلابد أن يكون له سبب أخر أغفله - عامدا - التفسير المادى للتاريخ !