فهرس الكتاب

الصفحة 17065 من 27364

لابد أن يكون السبب كامنا فى"الإنسان"! في كيانه الأصيل . في كراهيته للظلم ، وتطلعه إلى الحق والعدل الأزليين ، سواء تحقق العدل في عالم الواقع أم لم يتحقق لسبب من الأسباب !

القضية الثالثة أو المدخل الثالث هو ظهور الأعراض المرضية في حياة الإنسان حين تكون"الحضارة"التى يعش فيها غير مناسبة لكيانه السوى .

والشاهد الحى على ذلك هو المجتمع الأوربى في الجاهلية المعاصرة .

لقد زعم التفسير المادى للتاريخ أن أخلاقيات المجتمع الزراعى من شدة"التدين"إلى سيطرة الأب في الأسرة والحفاظ على العرض والاهتمام بالعفة الجنسية والترابط التعاونى . إلخ كانت مجرد انعكاس للوضع الاقتصادى في الطور الزراعى ، وليست قيما أصلية قائمة بذاتها ، وأنه حين تغير الطور الاقتصادى ودخل الناس في العصر الصناعى فإن من طبيعة الطور الاقتصادى الجديد أن يضعف التدين ، وتزول سيطرة الرجل بسبب تحرر المرأة اقتصاديا ، وتزول غيرته على عرضه ، وتفقد قضية العفة أهميتها ، وتتفكك الأسرة .. الخ ، ويكون هذه كله هو الانعكاس الطبيعى للوضع الاقتصادى الجديد .. ومن ثم تكون"الأخلاقيات"الجديدة المضادة تماما للأخلاقيات الزراعية هى المناسبة للوضع الجديد ، وينشئ الطور الجديد عقائده وأفكاره وأخلاقياته فتستجيب لها النفوس وتتكيف معها بصورة طبيعية !

ولكن هذا الذى يقوله التفسير المادى للتاريخ يكذبه الواقع أشد التكذيب .

فأما ضعف المشاعر الدينية ، وزوال سيطرة الأب ، وفقدان قضية العفة أهميتها ، وتفكك الأسرة ، وممارسة الحرية الكاملة في علاقات الجنس فقد حدثت حقا ، سواء كان سبب ذلك هو"التطور الحتمى"المصاحب لتغير الطور الاقتصادى كما يقول التفسير المادى للتاريخ ، أم كان سببه التخطيط الشرير الهادف إلى إفساد البشرية لاستحمارها واستعبادها كما نزعم نحن ..

أما الاستجابة"الطبيعية"فلم تحدث على الإطلاق !

إن رد الفعل الذى حدث من ذلك كله هو انتشار القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والاضطرابات العصبية وإدمان الخمر والمخدرات واتساع نطاق الجريمة وجنوح الأحداث والشذوذ الجنسى.

ومؤتمراتهم وإحصائياتهم هى الشاهد على ذلك ..

ودلالة ذلك واضحة ..

فلو أن النفس البشرية ليس لها كيان محدد ولا صورة ينبغى لها أن تكون عليها ، ما حدث رد الفعل المرض الذى حدث بالفعل في حياة الناس ، ولاستجابت استجابة"طبيعية"للشكل الذى شكلت به ، سواء كان الذى حدد الشكل هو التطور الحتمى أو التخطيط الشرير .

إنما هذه الاستجابة المرضية معناها أن الحضارة التى قدمت للناس - تحت أى ظل وأى عنوان - هى حضارة لا تناسب الكيان البشرى السوى ، لا تناسب مقومات النفس البشرية الأصيلة ، لا تناسب الوضع السليم الذى ينبغى أن يكون عليه الإنسان ، لمفارقتها للقيم الإنسانية الصحيحة .

وإذن فهناك قيم معينة ، أصيلة وثابتة ، ينبغى أن تكون قائمة في حياة الناس أيا كان الطور الاقتصادى الذى يعيشون فيه . وحين تخالف هذه القيم فإن الحياة تضطرب وتختل ولا يعود لها ميزان .

ويكفينا هذا لإثبات ن القيم العليا هى أشياء قائمة بذاتها ، ومطلوب وجودها في الحياة البشرية لأن هذه الحياة لا تستقيم بدونها . كما يكفينا هذا لنفى تلك الأسطورة القائلة بأن الوضع الاقتصادى هو الأصل الوحيد الذى تنشأ منه كل القيم وكل الأخلاق ، وإن كنا نقرر من باب إحقاق الحق أن الوضع الاقتصادى يتخذ أهمية بالغة في كل جاهليات التاريخ ، بحيث يبدو أن هو المسيطرة ، وأنه هو الأساس ، إذ تتوارى القيم الأخرى كلها وتحتجب ، فتبرز القيم المادية وتصبح هى الأساس ! ولو أن التفسير المادى للتاريخ اكتفى بأن يقول إنه يفسر الجاهليات البشرية لكان أقرب إلى الصواب ، أما أن يزعم أن يفسر"التاريخ".. كل التاريخ .. فزعم واسع يكذبه التاريخ ! ومع ذلك فالجاهليات ذاتها - كما سنبين - لا يستوعبها استيعابا كاملا ذلك التفسير الجاهلى للتاريخ !

إذا اكتفينا بهذا القدر في مناقشة القضايا الرئيسية في التفسير المادى للتاريخ ، وهى قضية مادية الخالق وقضية مادية الإنسان وقضية مادية القيم الإنسانية ، فلا بأس أن نستعرض بعض القضايا المترتبة عليها . ونختار من بينها قضية ، الدين"وقضية"الأسرة"وقضية"الشيوعية الأولى"وقضية"الملكية الفردية"وقضية"التطور"وقضية"الحتميات"وكلها من القضايا ذات الأهمية الخاصة في التفسير المادى للتاريخ ."

1-التفسير المادى للدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت