فهرس الكتاب

الصفحة 17066 من 27364

يقول التفسير المادى للتاريخ إن الإنسان الأول تدين لأنه كان جاهلا بقوانين الطبيعة من حوله ، فصنع من قوى الطبيعة آلهة ، فالبرق إله والرعد إله والريح إله والمطر إليه .. الخ ، ولأنه كان جاهلا بالبيئة وغير قادر على السيطرة عليها ، فجعل من أشجارها وحيوانها آلهة معبودة يستمطر رضاها ويتوقى غضبها ، ويقدم لها الصلوات والقرابين .. ومصدرهم في كثير من هذه الأمور هو"فريزر"فى كتاب الغصن الذهبى"الذى استغلوه استغلالا كاملا كما استغلوا دارون من قبل ، وإن كانوا هم يشيرون إلى أبحاث"مورجان (1) ولا يشيرون إلى فريزر !

أما في العهد الإقطاعى - أو الزراعى - فالناس متدينون لأن عملية الإنتاج تشتمل على جانب لا يملك الإنسان السيطرة عليه ، وهو جانب الإنبات والإنماء والآفات والعوارض الجوية ، فيتخيل قوى غيبية يسند إليها إخراج الزرع من الأرض وإنضاجه وحمايته ، فيتعبدها ويسترضيها لتحفظ له المحصول الذى تقوم حياته عليه .

ثم يزول الجهل والعجز بالتقدم العلمى والتكنولوجى فيتعرف الإنسان رويدا رويدا على قوانين الطبيعة ، ويسيطر تدريجيا على البيئة ، فتقل حاجته إلى"افتراض"القوى الغيبية . وحين تصبح عملية الإنتاج مادية بحتة في العصر الصناعى ويسيطر العامل على كل خطواتها من أول استخراج المادة الخامة إلى تشكيلها في صورتها النهائية .. فعندئذ تزول الحاجة إلى التدين نهائيا وينتهى دور الدين في حياة البشرية .

ومن جانب آخر فإن الطبقة الحاكمة سواء في الإقطاع أو في الرأسمالية تستخدم الدين - الذى هو أسطوة لا حقيقة لها - في تخدير الجماهير الكادحة لترض بالظلم في الأرض طمعا في الجنة في الآخرة .

ونقول بادئ ذى بء إنه من التعسف تفسير ظاهرة وجدت في جميع العصور وجميع الأجيال بتفسير خاص في كل جيل من الأجيال ! إنما ينبغى - من الوجهة العلمية البحتة _ أن نبحث عن أسبابها في الأصول الثابتة لا في المتغيرات !

إن دلالة خمسين قرنا - على الأقل - من تاريخ البشرية المكتوب ، فضلا عن قرون أخرى غير مكتوبة لا يعلم عددها إلا الله ، لا يمكن أن تلغى بجرة قلم مهما يكن جبروت هذا القلم وطغيانه ! ولا يمكن أن تلغى لأن جيلا واحدا أو جيلين قد تنكرا للدين لأسباب معروفة ومرئية وغير خافية على الذين يبحثون عن الحق ويحبون أن يهتدو إليه !

فى كل تلك القرون التى لا يعلم عددها إلا الله كانت ظاهرة التدين قائمة ، فلماذا نقول إن سببها في الجيل الفلانى كان كذا وفى الجيل الآخر كان أمرا آخر ؟!

أهذه هى طريقة"البحث العلمى الموضوعى"وتلك هى مناهجه ؟!

هل يمكن مثلا أن نرد الدافع الجنسى إلى أسباب مادية ، أو إلى أسباب تختلف في جيل عنها في جيل آخر ، أليس وجود هذا الدافع على مدى التاريخ البشرى يجعلنا نقول إنه في أصل الفطرة ، لا هو مكتسب ولا هو راجع إلى أسباب خارجية في البيئة المحيطة بالإنسان ؟ !

فلماذا نقول عن التدين - الذى وجد على مدى التاريخ البشرى - إنه راجع إلى البيئة وإلى أسباب متغيرة ، وليس أصلا من أصول الفطرة ؟

أمن أجل أن جيلا من البشر أو جيلين قد تفشى فيهما الإلحاد ؟!

(1) مورجان باحث أمريكى تخصص في دارسة احوال القبائل الأمريكية البدائية وهو متأخر عن ماركس ولذلك يشيرون إليه على اعتبار أن أبحاثه أيدت أقوال ماركس التى قالها غير متأثر بأحد""

لقد تفشت بالرهبانية في المجتمع المسيحى عدة قرون ، وكان ينظر إلى التخلص من الدافع الجنسى أو كتبه أو قهره على أنه قمة الارتفاع النفسى والروحى ، فهل يلغى هذا العارض الذى تفشى في مجتمع معين لفترة معينة كل دلالة التاريخ ، ويجعلنا نقول إن أسبابا معينة في البيئة هى التى توجد دافع الجنس ، وإنه يمكن أن يزول من الوجود في يوم من الأيام ؟ !

لماذا إذن نفرق بين ظاهرتين متشابهتين بل متماثلتين فنعطى إحداهما تفسيرا ونأبى على الخرى ذلك التفسير ؟

كلا ! إن الهدف واضح ، وهو أن الشيوعية - اليهودية المنشأة - تريد أن تقيم مجتمعا بشريا على الإلحاد الكامل عن الدين ، فتروح تزعم أن الدين ليس من الفطرة ، وأن أسبابا معينة في البيئة أو في موقف الإنسان من البيئة هى التى أنشأت ظاهرة التدين فيما مضى من التاريخ ، وأن هذه الأسباب الآن قد زالت فينبغى للدين أن يزول !

إن وجود عوامل خارجية في الكون المادى وفى البيئة المحيطة بالإنسان تبعث مشاعر التدين في الإنسان أمر نعلمه ونقره ..

إنها ذلك الكون ذاته بضخامته المعجزة ودقته المعجزة .

إنها ظاهرة الحياة والموت التى تبهر حس الإنسان وتثير عجبه وتطلعه .

إنها ظاهرة حدوث الأحداث وجريانها من ليل ونهار ونور وظلمة وولادة وموت وصحة ومرض وغنى وفقر واجتماع وافتراق .. الخ .

إنها ظاهرة عجز الإنسان عن السيطرة الكاملة على الكون مهما بلغ من سيطرته ، وعن الإحاطة الكاملة بأسراره مهما بلغ من علمه ، وعجزه الكامل عن الخلق والإنشاء من العدم (1)

إنها هى التى نبه إليها رب العالمين في كتابه الكريم ليوقظ وجدان البشر إلى تفرد الله بالألوهية والربوية ووجوب إفراده بالعبادة والنسك وتحكيم شريعته في الأرض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت