فهرس الكتاب

الصفحة 17068 من 27364

ودليلنا عليه من الجاهلية المعاصرة كذلك أولئك العلماء الذين تعمقوا في دراسة أسرار الكون فهداهم علمها إلى أنه لا يمكن تفسير عجائب الكون إلا بالتسليم بوجود الله ، مما نقلنا فقرات منه في هذا الفصل من قبل ونحن نتحدث عن التفسير المادى للخالق .

الدين إذن مركوز في الفطرة:

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [سورة الأعراف 7/172]

والعوامل التى توقظ الفطرة فتبعثها تبحث عن الله باقية ما بقى الإنسان في الأرض ، لا تتغير مهما بلغ من علم الإنسان أو سيطرته على البيئة .

ومن أجل ذلك بقيت ظاهرة التدين قائمة خلال التاريخ البشرى كله ، بصرف النظر عن هذا الجيل الممسوخ الذى دفعته عوامل معينة - معروفة - إلى مغالبة الفطرة والتبجح بإنكار وجود الله .

والذى ألغاه تعلم الإنسان وسيطرته على البيئة لم يكن هو الدين الصحيح إنما كان بعض انحرافات الجاهلية وتصوراتها الساذجة ، فحين توهم البشر - في بعض جاهليتهم - إن المطر إله والريح إله والرعد إله والبرق إله ، وأن وجه الأرض مملوء بالأرواح الشريرة التى يؤثر فيها السحر ، أو حين توهموا - في طور آخر - أن بعض الحيوانات ألهة تعبد - كبقرة الهند والعجل أبيس في مصر الفرعونية وغيرها - أو حين توهموا في طور ثالث أن بعض الأجرام السماوية ألهة كالشمس والقمر والنجوم .. كانت هذه كلها أوهاما ساذجة يمكن أن يمحوها العلم ، أو يمحوها زيادة سيطرة الإنسان على البيئة .

أما الدين الصحيح - وهو عبادة الله الخالق وحده بلا شريك - فقد وجد منذ بدء البشرية وظل قائما إلى هذه الساعة ، لم يؤثر فيه العلم ولا سيطرة الإنسان على البيئة ، لأنه لم ينشأ من الجهل العارض أو العجز العارض كما يزعم التفسير المادى للتاريخ ومن لف لفه من الملحدين ، إنما نشأ من حقيقة أزلية هى ووجود الله الخالق البارئ المصور ، وكون الإنسان مخلوقا خلقه الله ، وأودع في فطرته أن يتوجه لعبادة الله ، وإن كان قد أودع في فطرته في الوقت ذاته قدرة على الاختيار بين طريق الهدى وطريق الضلال .

وفى عهود البشرية السحيقة حين كانت أقوام تعبد الأب ، أو تعبد الطوطم ، أو تعبد قوى الطبيعة ، أو تعبد الأفلاك ، أو تعبد الأصنام كان هناك مؤمنون يعبدون الله وحده بلا شريك ، فيتقدمون إليه وحده بالعبادة والنسك ، ويطبقون شريعته في واقع حياتهم .

(1) زيفت الدولة تصريحه فيما بعد ولكن العبرة بتصريحه الأول .

فإذا كان نمو العلم ونمو سيطرة الإنسان على البيئة قمينا بأن يلغى أساطير الجاهليات المختلفة في أمر الدين ، فليس من شأنه أن يلغى الدين ذاته ، المركوز في الفطرة ، الذى ينبثق حتى في الجاهلية المعاصرة الملحدة الكافرة ، فيعلن صوت الفطرة رغم كل الحواجز التى تريد أن تخنق ذلك الصوت .

وأما كون الإقطاع والرأسمالية يستخدمان الدين مخدرا للجماهير لترضى بذل العبودية في الأرض طمعا في جنة الله في الأخرة ، فتلك كانت حقيقة واقعة في الجاهلية الأوربية الحديثة ، وقامت الكنيسة ذاتها بجزء من المؤامرة التى تهدف إلى تخدير الجماهير لكيلا يثورا على الظالمين ..

ولكن ما علاقة ذلك بحقيقة الدين ؟

إن الدين - ككل شئ آخر في عالم البشر - يمكن أن تشوه صورته وأن يساء استغلاله ، فهل نلغى الدين الصحيح من أجل الصورة الزائفة ، أو من أجل سوء الاستغلال ؟ أم نحاول تصحيح الصورة ومنع الاستغلال ؟

ثم ما الحيلة إذا كان الإنسان عابدا بطبعه ، فغن لم يعبد الله عبد من هو دونه ، وهبط نتيجة لذلك أسفل سافلين؟ !

كلا ! ليس التفسير المادى للدين حقيقة ، علمية ، ولا يمت بأية صلة للعلم أو النظر العلمى . إنما هو"شهوة"قائمة على غير الدليل شهوة بعض الناس في نشر الإلحاد في الأرض لغاية في نفوس الشياطين ! (1)

2-قضية الأسرة:

كل الذين يتكلمون ضد الدين والأخلاق يتكلمون ضد الأسرة كذلك . والعلاقة واضحة . فالدين والأخلاق والأسرة كلها من"الضوابط"التى تقف في سبيل المخططات الرامية إلى إفساد البشرية واستحمارها:

{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) } [سورة النساء 4/27]

إن الأسرة هى الضابط الطبيعى ضد فوضى الجنس ، والذين يريدون إفساد البشرية لا يريدون أن يكون هناك ضابط للفوضى الجنسية ، سواء كان هذا الضابط هو الدين والأخلاق ، أو كان هو التنظيم الطبيعى الذى تنشئه الأسرة بنوع علاقاتها ونوع مسئولياتها .

والشيوعيون - بصفة خاصة - لهم حقد خاص على الأسرة لأكثر من سبب في وقت واحد .

فالأسرة - كما يقولون - تثير مشاعر الأثرة في الوالدين ، وتقوى نزعة الملكية الفردية من أجل توريث الأولاد ما يملكه الوالدان ، وهم يريدون القضاء على الملكية الفردية ، فيكرهون - بالتالى - كل نظام أو فكرة يقف في طريق القضاء عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت