فهرس الكتاب
ثم إن النظام الشيوعى - كما سنرى ونحن نناقش المذهب الإقتصادى في صورته التطبيقية - يريد أن يجعل الولاء للدولة وحدها دون أحد آخر ، ويريد من الأفراد أن يذوبوا ذوبانا كاملا فى"النظام و"الدولة"و"الحزب"و"الزعيم"فلا يكون لهم ارتباط بشئ آخر خلاف هذه الولاءات الضرورية للنظام . ومن ثم فإنهم يكرهون الأسرة لأنها - بداهة - ارتباط قائم بذاته مستقل عن الدولة ، ولو كان مواليا لها في ظاهر الأمر أو واقعا تحت الضغط البوليسى للدولة . فإذا كان النظم الشيوعى - بالإضافة إلى ذلك - يصل إلى حد تجنيد الشعب كله في التجسس بعضه على بعض ليأمن قيام أى تجمع مضاد ، أدركنا أن حنقه على الأسرة لابد أن يكون أشد ، لأن الولاء الفطرى داخل الأسرة هو نوع من التجمع ، مهما يكن صغيرا فإنه يمكن أن يكون نواة لتجمع أكبر ، وهو في جميع الأحوال حائل دون الجاسوسية الدقيقة على كل فرد من أفراد الشعب ."
وبالإضافة إلى ذلك كله فإن من الضمانات التى يعتمد عليها النظام الشيوعى تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على الولاء الكامل للنظام والدولة والحزب والزعيم .. وهذا يقتضى الإشراف الكامل عليهم منذ ولادتهم ، حتى لا توجد"جرثومة"واحدة مفردة يمكن أن تنشر العدوى في نطاق أوسع . والأسرة - أو مشاعر الارتباط الأبوى - عائق من عوائق هذا الإشراف الدقيق الذى يعتمد عليه النظام ، لأنها تجعل ولاء الأطفال - أو جزء منه على الأقل - مرتبطا بأعضاء الأسرة من الآباء والأخوة .
لذلك كله تكره الشيوعية الأسرة كراهية خاصة مركزة ، وسط الكراهية العامة التى يتوجه بها إلى الأسرة ذلك المخطط الشرير الذى يهدف إلى إفساد البشرية واستحمارها .
ولكن أصحاب المخطط يحبون - دائما - أن يغفلوا مخططهم بالعلم والنظريات العلمية ، ليكون ذلك أدعى إلى تقبل الناس له وعدم اعتراضهم عليه . و"العلم"فى الجاهلية المعاصرة يقوم مقام"السحر"فى الجاهليات البدائية التى كانت تؤمن به وتتعامل معه ، ويدخل النفوس بسهولة ويتمكن منها في لحظات .. ولو كان قائما على غير أساس ! إذ يكفى أن تقول عن أى شئ إنه نتيجة"أبحاث عليمة"حتى ينصاع الناس صاغرين ، دون أن يتوقفوا حتى ليتساءلوا: أحق هو ؟! أم دعوى بلا دليل !
و"العلم"الذى يحارب الماديون به الأسرة يأخذ البشرية بطولها من أولها إلى آخرها !
ففى البدء كانت الشيوعية الجنسية فلم تكن هناك"أسرة"بالمعنى المتعارف عليه .
وفى بقية التاريخ كانت الأسرة قائمة لأسباب اقتصادية ومتوافقة مع تلك الأسباب الاقتصادية .
(1) سنتحدث عن هذه الغاية مرة أخرى في فصل"الإلحاد"
وفى نهاية التاريخ - التى يريدونها أو يتخيلونها أو يخيلونها للناس - تنتهى مهمة الأسرة وتزول من الوجود .. على أسس"علمية"!
فأما الشيوعية الجنسية فسنتحدث عنها في الفقرة القادمة ، ولكنا نقول هنا إن كل ما قالوه في وصفها لا يستند إلى دليل علمى حقيقى إنما هو استنباطات مغرضة من أحوال القبائل المتأخرة التى عثر عليها في آسيا وأفريقيا وأستراليا في القرنين السابقين .
وأما قيامها لأسباب اقتصادية فيكفينا أن نشير فيه إلى ما شرحناه من قبل في مناقشة التفسير المادى للقيم الإنسانية من أن الاقتصاد والأوضاع الاقتصادية جانب مهم في حياة الإنسان ، ومؤثر من المؤثرات القوية فيها ، ولكن هذه الحياة أوسع وأشمل من أن تفسر بجانب واحد أو عامل واحد مهما يكن من سعته وقوة تأثيره . إنما المؤثرات كلها - على اختلاف كل منها عن الآخر وأصالته الذاتية - روافد تصب في المجرى الكبير الذى يشكل حياة البشرية . والاقتصاد واحد من هذه المؤثرات ورافد من الروافد ، ولكنه ليس وحده الذى يتحكم في حياة الناس ، وليس هو الذى يفسرها ، إنما التفسير الأشمل والأصح أن النفس البشرية بكاملها هى التفسير الصحيح للحياة البشرية بكاملها . والنفس تحوى - ولا شك - عناصر كثيرة غير العناصر المادية حتى في ضلالها وجاهليتها !
يقول خالق هذه النفس سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [سورة الروم 30/21]
هذا السكن وهذه السكينة عنصر هام في نشأة الأسرة واستمرارها مدى التاريخ البشرى كله ، وهو سبب نابع من الفطرة التى تحب هذا السكن وهذه السكينة بصرف النظر عن الدافع الجنسى الذى يمكن أن يتحقق بأية وسيلة .