فهرس الكتاب

الصفحة 17070 من 27364

ولا يتنافى هذا مع كون الأسرة تكون ترابطا اقتصاديا من نوع ما . فليس هناك في النفس البشرية تناقض ولا تنافر بين عناصرها المختلفة ، ولا يلزم من وجود أحدها نفى الآخر ولا نبذة كما تقول التفسيرات الضيقة المعتسفة ، ولا يلزم من قوة أحدها أن يكون سائرها تابعا له أو نابعا منه كما تقول تلك التفسيرات ، إنما توجد كلها - مع قوتها وأصالتها - جنبا إلى جنب ، متفاعلا بعضها مع بعض في الكيان البشرى الكبير ، الذى كرمه الله بعوامل شتى ، وهذا التعدد وهذه السعة هى ذاتها من عوامل التكريم ، لأننا لا نجدها - بهذه الصورة - في الكائنات الأدنى من الإنسان .

والأسرة - كما ثبت من التجارب غير المتحيزة - ضرورة لتنشئة الأطفال الأصحاء من الوجهة النفسية . ومهما حاولت المحاضن أن تدعى أنها تقوم مقام الأسرة الطبيعية في هذا الشأن فهى واهمة في ذلك أو مغالطة ، فإن في مقدور المحاضن أن تعطى رعاية صحية كاملة"للجسد"وتوجيها عقليا مبنيا على قواعد العلم ( أيا كان مبلغ هذا العلم من الصحة ) ولكنها لا تستطيع قط أن تعطى الرعاية النفسية المطلوبة للتنشئة الصحيحة للأطفال ، بسبب غياب الأم المتخصصة التى يشعر الطفل لملكيتها - وحده - ملكية كاملة" (1) "

ولسنا نقول مع ذلك إن الإنسان لجأ إلى تكوين الأسرة لأنه وجد فيها نوعا من التنظيم الاقتصادى أو وجد أنها الطريقة المثلى لتنشئة الأطفال .

إنما نقول إن الله العليم الخبير الذى يعلم أن الأسرة هى التى تحقق التنشئة السليمة للأطفال حين تتخصص الأم فيها لهذه المهمة الخطيرة ، قد جعل الحنين إلى تكوين الأسرة جزءا من الفطرة ، تشعر فيها بالسكن والسكينة ، وتشعر في خارجها بالقلق وفقدان السكينة ولو حققت كل مطالب الجنس وكل الاكتفاء الاقتصادى ! ثم نظم سبحانه وتعالى العلاقات الاقتصادية داخل الأسرة بحيث تكون المرأة مكفولة كاملة دون أن تحتاج إلى العمل خارج البيت ، لكى تستطيع التفرغ لمهمتها الأصلية ، فكلف الرجل بإعالتها - لا تفضلا ولكن تكليفا - وكلفها هى رعاية شؤون البيت والأطفال ، ثم جعل في فطرة كل منهما وتركيبه العصبى والنفسى ميلا لهذا التكليف وقدرة عليه ، وشعورا بتحقيق الذات عن طريقه .

ذلك هو الوضع السليم للأسرة كما أنشأها الله .

فأما الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فيكرهون أن يستمعوا لهذا القول ويشمئزون منه بدعوى أنه كلام غير علمى !

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) } [سورة الزمر 39/45]

(1) أنظر كتاب"أطفال بلا أسر"لأنا فرويد ، وأنظر نتائج المؤتمرات التى تعقد في أمريكا وغرب أوروبا لدراسة ظاهرة جنوح الأحداث .

فيقول دور كايم:"ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقول بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان ، وبأن هذا الأخير مزود بحد أدنى من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين ومحبة الأبناء ، وغير ذلك من العواطف ، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو ، ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان" (1)

متى أوقفنا التاريخ على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان ، وكيف أوقفنا على ذلك ؟! أم لهم تاريخ سرى غير التاريخ العلنى الذى يعرفه جميع الناس ن ويعرفون فيه أن هذه الأشياء كلها مركوزة في الفطرة ؟!

ويقول التفسير المادى للتاريخ إن الأسرة بحجمها وتبعاتها ووظائفها وعلاقاتها هى مجرد انعكاس للوضع الاقتصادى ، ومن ثم فهى"تتطور"تطورا حتميا يمكن أن يفضى بها إلى الزوال !

والتجربة الواقعية تفنينا عن الخوض في النظريات . فالنظريات تظل نظريات حتى يصدقها الواقع أو يكذبها . وما يقوله دور كايم أو التفسير المادى للتاريخ أقل في الحقيقة من أن يسمى نظرية ، لأنه فرض متعسف لا دليل عليه من الواقع . ولكن حتى لو كان يرتقى إلى حد أن يكون نظرية فهذا هو واقع الجاهلية المعاصر يكذبه .

فالرجل والمرأة كلاهما في الجاهلية المعاصرة يحققان كل ما يخطر على بالهما من متاع الجنس بلا قيود . لا قيود خلقية ولا قيود اجتماعية ولا قيود قانونية ولا قيود فكرية ثم إنهما يحققان وجودهما الاقتصادى كل على حدته ، فالرجل يتكسب والمرأة تتكسب ، ويتولى كل منهما الانفاق على نفسه وعلى بهيمية الجنس التى يمارسها من كسبه الخاص دون حاجة إلى المعونة الاقتصادية من الآخر ، ومن ثم يتأخران كثيرا جدا في الزواج وتكوين الأسرة . أو يلغيان ذلك من حسابهما إلغاء كاملا ، ويعيشان في حالة"صداقة"مستمرة ، أى في حالة مخادنة غير مقيدة بالرباط المقدس ، أو في حالة فوضى جنسية لا ترتبط حتى برباط المخادنة غير المقدس .

فلماذا لا يستريح الرجل ولا المرأة إلى هذه الأوضاع التى تحقق كل مطالب الجنس وكل مطالب الاقتصاد ؟ ! بل لماذا يشقى الرجل والمرأة كلاهما ويبدو الشقاء في صورة الاضطرابات العصبية والنفسية والقلق والجنون والانتحار وإدمان الخمر وإدمان المخدرات ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت