فهرس الكتاب

الصفحة 17071 من 27364

الجواب عندنا هو أن الرجل والمرأة كليهما قد فقدا السكن والسكينة اللذين جعلهما الله في الأسرة ولم يجعلهما في أية علاقة خارج الأسرة ، ولو حققت كل مطالب الجنس وكل مطالب الاقتصاد .

فمن لم يعجبه هذا الجواب واشمأزت نفسه منه لأنه يذكر الله وحده وفطرة الله وحدها ومنهج الله وحده ، فليأت من عنده بالجواب الذى يريد ، ولكن عليه بالبرهان ، لا أن يطلق الدعوى بلا دليل على طريقة دور كايم أو على طريقة التفسير المادى للتاريخ !

{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [سورة الأنعام 6/148]

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) } [سورة البقرة 2/111]

فهذا - وحده - هو المنهج العلمى الصحيح .

3-الشيوعية الأولى:

يزعم التفسير المادى للتاريخ أن الشيوعية كانت هى الطور الأول للبشرية ، وأنها كانت شيوعية شاملة ، تشمل كل نواحى الحياة البشرية بما في ذلك الجنس ، فكانت القبائل البشرية الأولى تعيش في حالة من المشاعية الجنسية الكاملة ، مع مشاعية الأرض ومشاعية الطعام .. الخ .

ودليلهم على وجود الشيوعية الأولى - بهذه الصورة - هو ما اكتشف في القرنين الماضيين من أحوال القبائل البدائية التى كانت تعيش في أفريقيا وأسيا وأستراليا منعزلة تماما عن تيار المدينة لا يعرفون شيئا عن العالم من حولهم ، ولا يعرف العالم شيئا عنهم . فقد وجدوا تلك القبائل تعيش عيشة جماعية .. أرض القبيلة ملك مشترك لها جميعا لا ينفرد فيها أحد بملكية خاصة ، والطعام مشترك بينهم سواء كان صيد بريا أو بحريا أو غير ذلك ، يطهى للقبيلة كلها وتأكل منه القبيلة كلها دفعة واحدة . وأسلحة الصيد والحرب ملك للقبيلة كلها كذلك . وقال فريزر - وهو مرجعهم الأكبر فيما زعموا من أحوال البشرية الأولى - إنه اكتشفت بعض القبائل تمارس ألوانا من الشيوعية الجنسية ، إما كل النساء لكل الرجال على المشاع ، وإما مجموعة معينة من النساء لمجموعة معينة من الرجال داخل القبيلة الواحدة .

ونستطيع أن نتصور بالفعل - على ضوء أن نتصور بالفعل - على ضوء أحوال هذه القبائل التى اكتشفت في القرنين الأخيرين - أن حياة القبائل الأولى كان فيها قدر كبير من المشاركة الجماعية في المسكن والمطعم وأدوات الصيد وأدوات الحرب .

ففى النظام القبلى تكون القبيلة هى"الوحدة"التى يعيش الأفراد في داخلها ، ويمارسون الحياة من خلالها . وفى وقت متأخر جدا من بداوة البشرية - وقت كانت قد قامت فيه"حضارات"كثيرة في بقاع مختلفة من الأرض - كان الشاعر العربى يقول:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت ، وإن ترشد غزية أرشد !

(1) كتاب"قواعد المنهج في علم الاجتماع"ترجمة الدكتور محمود قاسم ومراجعة الدكتور السيد محمد بدوى الطبعة الثانية ص 173

فيعبر بذلك عن انسياجه الكامل في القبيلة وعدم استقلاله بذاتيته حتى مع علمه أن قبيلته تكون أحيانا على الرشد وأحيانا على الغى ، وليست راشدة في جميع أحوالها .

فإذا كان هذا في حياة العرب قبيل الإسلام ، قلنا أن نتصور أن القبائل التى وجدت في تاريخ سابق على ذلك كثيرا كانت على ذات الصورة من التمركز في القبيلة ، وانسياح كيان الأفراد في كيان القبيلة الكلى في السلم والحرب والرشد والغى على السواء !

فإذا اضفنا إلى ذلك أنه في بداوة البشرية الأولى لم يكن هناك شئ يمتلك - إلا القليل النادى أمكننا أن نتصور كذلك أن الملكية الفردية لم تكن قائمة في ذلك العهد السحيق على صورتها التى قامت فيما بعد .

فالخيام - إن كانوا من ساكنى الخيام - يسكنها مجموع أفراد القبيلة ويتعارفون فيما بينهم على أن فلانا يسكن في هذه الخيمة وفلانا الآخر يسكن في تلك . ولكن شعور كل فرد من أفراد القبيلة لا يتجه إلى ملكيته الخاصة للخيمة ، إنما يتجه إلى اعتبار مجموع الخيام كلها ملكا للقبيلة بأجمعها ، فيقول في نفسه: هذه خيام قبيلتى ! لأن الوحدة يومئذ ليست هى الفرد إنما هى القبيلة ، والفرد لا يمارس حياته فدرا إنما يمارسها من خلال القبيلة ، فيتحدث - حين يتحدث - بضمير الجمع ، فيقول: ذهبنا وجئنا وصنعنا كذا وكذا .. لأن هذه الأعمال كلها تتم بالفعل بصورة جماعية .

كذلك الطعام لا تتصور فيه الملكية الفردية في ذلك العهد السحيق .

فالطعام في غالبيته صيد ، سواء كان صيد بر أو بحر ، والصيد يحتاج إلى مجموعة من الأفراد تقوم به - من الشباب بصفة خاصة - ولا يقدر عليه فرد واحد . فإذا جاء الصيد وتم طهيه على يد المختصين - أو المختصات - في القبيلة ، فعندئذ تتجمع الوحدة التى يمارس الأفراد من خلالها وجودهم فتتناول وجبة الطعام الجماعية ، ثم يلقى الباقى - إن بقى منه شئ - لأنه إن بقى ينتن ولا يصلح للطعام ، فلم تكن وسائل الحفظ قد اكتشفت في ذلك العهد السحيق من بداوة البشرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت